السبت، 18 مايو 2013

كتاب اشكالية الردة

















إشكاليَّة الردّة والمرتدين
من صدر الإسلام إلى اليوم






































إشكاليَّة الردّة والمرتدين
من صدر الإسلام إلى اليوم





الدكتور طه جابر العلواني






الطبعـة الأولى
1427ﻫ - 2006مÓ

جميع الحقوق محفوظة
للمعهد العالمي للفكر الإسلامي
هيرندن، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية
المعهد العالمي للفكر الإسلامي
International Institute of Islamic Thought
P.O. Box 669, Herndon, VA 20172, USA
Tel: 703-471-1133 / Fax: 703-471-3922
www.iiit.org / URL: iiit@iiit.org Email:








مكتبة الشروق الدولية
19 شارع السعادة – أبراج عثمان – روكسي – القاهرة
تليفون وفاكس: 4501228 – 4501229 – 2565939
shoroukintel@hotmail.com Email:
shoroukintl@yahoo.com​
جميع الحقوق محفوظة: لا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب، أو جزء منه، أو نقله أو إعادة إنتاجه بأي واسطة، ميكانيكية أو الكترونية، بما في ذلك التصوير، أو التخزين والاسترجاع، أو التسجيل، دون إذن خطي من الناشر.





الكتب والدراسات التي يصدرها المعهد تعبر عن آراء واجتهادات مؤلفيها



























فهرس المحتويات

الموضوع
الصفحة
المقدّمة.

الفصــل الأول:

دعوى الإجماع على وجوب قتل المرتد

الاستغلال السياسي "لحد" الردة

خطورة الاستمرار بتبنِّي حد الردّة

كلمة لا بد منها

الثوابت والمتغيِّرات

مفهوم الحد بين القرآن الكريم والفقه

الفقهاء ومصطلحهم في "الحدود"

الفصل الثاني: في المقدّمات التي أدّت إلى القول "بحدّ الردّة"

القرآن سبيل التجديد ومضمونه

المنهج العلميّ لا بالتأويلات والتعديلات الجزئيَّة يتحقق التجديد

ضرورة تجاوز الأمّة أزمتها الفكريّة

بين المطلق والنسبيّ والمصادر التشريعي

أين مكمن الخطر على فهم الإسلام الآن؟

الفصل الثالث: خطورة التداخل المعرفيّ قبل بناء المنهج والنموذج

خصائص الرسالة الخاتمة

كيف تم التداخل بين التراثين الإسلاميّ واليهودي

أهداف يهود في التداخل الثقافي

صياغة اليهود لمداخل التزييف في التراث الإسلاميّ

الاختراق والوضع في الحديث

المثاقفة أوالاختراق المعرفيّ

الوجود الفكري اليهودي في جزيرة العرب

الفصل الرابع: حقيقة الردّة كما تبيّنها آيات القرآن الكريم

مفهوم الردّة في القرآن

حرية الاعتقاد مقصد مهم من مقاصد الشريعة

سبب نزول "لا إكراه في الدين" ودلالاته

الكفر الأصلي والكفر بعد الإسلام

الفصل الخامس السنّة النبوية وقتل المرتدّ

المبحث الأول: وقائع الردّة في عهد رسول الله r

الواقعة الأولى: المرتدّون بعد واقعة الإسراء والمعراج

الواقعة الثانية: ذكر من ارتد بعد الهجرة إلى الحبشة

الواقعة الثالثة: ردّة كاتب الوحي

الواقعة الرابعة: من أهدر رسول الله r دمه بسبب أذاه وجنايته مع ردته

ظاهرة النفاق

هل قتل رسول الله r مرتدًا؟

المبحث الثاني: في السنّة القوليّة

السنن القولية وآثار الصحابة

آثار عمر بن الخطاب

حديث "من بدّل دينه فاقتلوه" وبعض المشكلات المتعلقة به

آفة تقديم الحديث على القرآن

الحديث وطرقه عند مورديه

الآثار المروية عن أبي بكر الصديق

الآثار المروية عن علي بن أبي طالب

أثر عثمان بن عفان

الفصل السادس: مذاهب الفقهاء في عقوبة المرتد

مقدمة الفصل

كيف حدث الخلط بين الدينيّ والسياسيّ؟

مذهب أبي حنيفة

المذهب المالكي

مذهب الإمام الشافعي

مذهب الحنابلة في حد الردة

موقف الإمامية

مذهب الظاهرية

مذهب الزيديَّة

مذهب الإباضيَّة

الفصل السابع: نماذج من العلماء الذين اتُّهموا بالردّة

خاتمة

قائمة المراجع





المقـدمـة

الحمد لله رب العالمين، نستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا. ونصلي ونسلّم على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وأصحابه وورثة رسالته من بعده، وحاملي لواء القرآن الذي أنزل عليه إلى يوم الدين.

أمّا بعد: فيسعدني أن أقدّم لأمّتي المسلمة، ولفقهائها خاصّة، وللباحثين عن الحقيقة عامّة كتابي "إشكاليّة الردّة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم" -في طبعته الثانية- التي بذلت جهدي في أن أفي فيها بما وعدت به قرّائي الكرام من استكمال نواقص الكتاب، ومنها الموضوعات التي لم أتمكن عند إعداد الطبعة الأولى من استيفائها بشكل يمنحني الرضا والقناعة بها. وبفضل الله وقوّته قد منّ الله -جل شأنه- عليّ باستكمال ما فات، وتناول ما لم أتناوله في طبعة الكتاب الأولى بعد مرور ثلاث سنوات على صدورها.

إنّ من أهم ما اشتملت عليه هذه الطبعة الجديدة مبحثين هاميّن: الأوّل تناولت فيه الأحاديث والآثار والسنن القوليَّة ذات العلاقة بالموضوع، وقد حاولت دراستها ومناقشتها لبيان أنّ عدم وجود حدٍّ شرعيّ للردّة لم يرد ما يعارضه من السنّة القوليّة -أيضاً- إضافة إلى ما كنّا قد أثبتناه من عدم وجود حدٍّ في السنّة الفعليَّة وبذلك تتضافر الأدلة -كلّها- على نفي الدليل على وجود حدٍّ شرعيّ منصوص عليه لجريمة تغيُّر الاعتقاد الدينيّ أو تغيُّر التديُّن من غير انضمام أيّ فعل جرميّ آخر إليه.

فلا وجود لهذا الحدّ في القرآن المجيد وهو المصدر المنشئ الأوحد لأحكام الشريعة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:48] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [آل عمران:23].
ولم نجد واقعة واحدة من وقائع عصر النبوّة تشير إلى ما يمكن أن يقوم دليلاً على قيام رسول الله r بتطبيق عقوبة دنيويّة ضدّ من يغيّرون دينهم، مع ثبوت ردّة عناصر كثيرة عن الإسلام في عهده r ومعرفة رسول الله r بهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ [النساء:137] وذلك ينفي وجود حدّ للردّة في السنّة الفعليّة التطبيقيّة. وباستقرائنا لما ورد من سنن قوليّة لم نجد -كذلك- ما يمكن أن يقوم دليلاً على وجود حدٍّ شرعيّ دنيويّ لهذه الفعلة.
وأما المبحث الآخر فقد عرضت وناقشت فيه مذاهب الفقهاء، خاصّة أنّ جمهرة أهل الفقه قد استندوا فيما ذهبوا إليه من وجوب قتل المرتد إلى السنّة القوليّة والإجماع فكان لا بد من الوقوف على تلك المذاهب مذهباً مذهباً، ومعرفة أقوالهم تفصيلاً، وأدلتهم التي بنوا عليها تلك الأقوال، ومناقشتها تفصيلاً. وقد تبيّن أن الفقهاء كانوا يعالجون جريمة غير التي نعالجها، إذ كانوا يناقشون جريمة مركّبة اختلط فيها السياسيّ والقانونيّ والاجتماعيّ، بحيث كان تغيير المرتدّ دينه أو تديّنه نتيجةً طبيعيّة لتغيير موقفه من الأمّة والجماعة والمجتمع والقيادة السياسيّة والنظم التي تتبنّاها الجماعة، وتغيير الانتماء والولاء تغييراً تامّاً.
كذلك ناقشنا دعوى الإجماع وثبت لنا وأثبتنا أنّه لم يكن هناك إجماع على وجود حدٍّ أو عقوبة شرعيّة ثابتة بالقرآن مبيَّنة بالسنّة للردّة بالمفهوم الذي أوضحنا.
وبذلك ثبت أن الإنسان -في الإسلام- يملك حريّة اختيار الدين الذي يتديّن لله به وهي حريّة ذاتيّة ائتمنه الله -تعالى- عليها؛ ولذلك كانت هذه الحريّة مناط المسئوليّة الإنسانيّة، فالمكره خارج من دائرة التكليف لا يحمل مسئوليّة ما يكره عليه أو يلجأ إلى فعله مهما كان، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وحين تنتقص حريّته في الاختيار تنقص مسئوليّاته بقدر ما ينقص من حريّته. وكل ما أمر الله الإنسان به، أو نهاه عنه ربطه بوسع الإنسان وطاقته: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق:7] أي :ما آتاها من الطاقة والقدرة وحريّة الاختيار.
وترك الله -تعالى- الإنسان فيما يسأل عنه ومشيئته الإنسانيّة الحرّة: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:29].
وأعمل الله إرادة الإنسان، وأعطاها الفاعليّة التامّة في مجال الاختيار: ﴿من كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء:18-19].
وفرَّق سبحانه في المسئوليّة بين جزاء الخطأ وجزاء العمد. كما فرّق بين الخطأ الحاصل عن إهمال، والخطأ الحاصل عن عمد وقصد، وبين الإصرار على الخطأ والاستمرار فيه، وبين التراجع عنه، والتوبة منه. وهذا -كلّه- وكثير معه يؤكّد على حريّة الإنسان في إرادته وقصده وفكره وتعبيره وفعله. وسوف يتضح ذلك بجلاء في هذا البحث الذي أردنا أن نقدمه نموذجاً للمراجعات الجادة لتراثنا -التي على أهل العلم أن يقوموا بها لتنقية تراثنا الخصب الغنيّ المتنوع مما لحق به في بعض الفترات التاريخيّة لعوامل كثيرة.
ولعل طلبة العلوم النقليّة، وطلاّب المعارف الإنسانيّة والاجتماعيّة الجادّين، يجدون في هذا البحث ما يمكن أن يتمثّلوه في معالجة القضايا الجادّة المستقرة في ضمير الأمَّة وثقافتها دون تفريق لكلمتها، أو إضافة مسائل خلافيّة إلى المسائل التي تعاني منها، وتختلف حولها.
اهتمامي في هذا الموضوع
لقد أعددت مسودة هذا البحث سنة (1992) وألح عليّ بعض الإخوة بضرورة نشره، كما كان -آنذاك- في حوالى مائة صفحة، واعترض بعض الإخوة على النشر خوفًا على المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي كنت رئيسه -آنذاك- أن يتضرر بموقفي في هذا الموضوع. ثم استقلت من رئاسة المعهد عام 1996 فقيل: أمسك خوفًا على الجامعة التي ترأسها. ومرت ست سنوات، وبدأ السن يتقدم والأمراض تتكاثر، ولا أريد أن ألقى الله وقد كتمت علمًا منّ الله به عليّ؛ فإن من آتاه الله علمًا فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة.
ولا أريد أن أكون مثل بعض أولئك الذين كانوا يقولون: "إن في صدري علمًا لو بحت به لأخذوا الذي فيه عيناي" ثم يموت وسره العلمي معه. كما لا أريد أن أكتم ما تعلمت خوف الفرقة أو الاختلاف، فإن دركات الفرقة والاختلاف التي تترنح أمتنا فيها، والتي جاءت من طغاة الحكام وعلماء السوء، ليس بعدها -والله أعلم- ما هو أسوأ منها. إن مصارحة الأمة بحقيقة أمراضها أرجى لشفائها إن شاء الله من الكتمان عنها، وإنني أهيب بكل من يقرأ هذه الكلمات إن وجد خيرًا أن لا يحرمني من صالح دعائه، وإن وجد غير ذلك أن يكتب لي بما أخطأت فيه ويُهدي إليّ عيوبي، وسَأُقوّم إن شاء الله أخطائي، أو فليقومها الحوار العلمي الهادئ الرصين، وأستغفر الله لذنوبي، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

ويعلم الله أنّني أعشق تراث أمتي وأعتز به، وأنتمي إليه؛ وأعلمُ أن فيه هنّات هيّنات، وأن النقد والمراجعة يزكيانها ويطهرانه منها، فهو تراث غنيّ خصب متنوع لا يخشى النقد والمراجعة، ولا ينبغي أن نخشى عليه منهما:
وَهَلْ أَنا إِلا مِنْ غَُزَيَّةَ إِنْ غَوَتْ​غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غُزَيَّةُ أَرْشُدِ

منهج الدراسة
وفي الوقت نفسه فإنّني أؤكد أنّني سألزم نفسي -بقدر الإمكان- بالمنهج العلمي في البحث، فلن ألوي عنق أيّ نص أو دليل لينسجم مع فكرة كانت لدي قبل البحث، وسأخلي ذهني وعقلي من أيّ رؤية، أو موقف مسبق، لي أو لسواي، بقدر ما تسمح الطاقة الإنسانيّة به. وسأتخذ من الأدلة الشرعيّة مصادر لما أقرره، لا شواهد أستشهد بها لإثبات ما أتبنّاه كما يفعل كثير من الباحثين؛ لأن المهم -عندي- هو الوصول إلى ما تدل الأدلة الشرعية المعتبرة عليه، لا ما نتمنى أن تدل عليه مما يوافق متطلبات الحاضر أو الماضي، ولذلك فإن أقرب المناهج التي يمكن استعمالها في هذه الدراسة هو المنهج المركَّب من المنهج الفلسفي الأصولي، والمنهج التحليلي، والاستنباطي والتاريخي، دون تجاهل للمناهج التقليدية المتّبعة في دراسة علومنا ومعارفنا النقليّة في عصر التدوين وما تلاه. فالتفسير سنعتمد فيه ما قرره المعنيّون به من علمائنا من أصوله ومناهجه. وفي وزن الأحاديث والحكم عليها سنأخذ بمناهج المحدثين في ذلك، وهكذا. وفي الأصول سنتعامل مع الكتاب الكريم باعتباره المصدر المنشئ للأحكام والكاشف عنها ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾ [يوسف:40] وذلك عملاً بحاكميّة الكتاب. وسنتعامل مع السنة النبوية المطهرة باعتبارها المصدر المبيِّن للكتاب الكريم على سبيل الإلزام. ولن نقبل دعوى الإجماع فيما يثبت الاختلاف فيه بين الصحابة. فالإجماع إجماعهم، وسنلاحظ القيم الحاكمة ومقاصد الشريعة باعتبارها أدلة كلية ومصادر لإنارة السبيل للمستدل في تعامله مع دلالات الأدلة الجزئية، لا باعتبارها مجرد فضائل للشريعة. وسنتخذ من الاستعمال القرآني للمفردات اللغوية حكمًا أولاً في بيان معاني تلك المفردات كما وردت في الكتاب الكريم، ثم ما ورد بيانًا نبويًا في السنة، ثم معهود العرب في لغاتها وأساليبها وبيانها، لئلا يتحكم معهود العرب بمعاني القرآن. فإن وفقنا الله بعد كل ذلك إلى الصواب فذلك فضل الله وتوفيقه، وإن كانت الأخرى؛ فإن الإنسان مَظنَّةُ الضعف وأهل للنسيان، وحسبنا أننا ما أردنا إلا الخير، وما ابتغينا إلا الإصلاح ما استطعنا، فنسأله سبحانه السداد في القول والعمل، وأن يعيذنا والقراء الكرام من همزات الشياطين وأعوذ بك ربِّ أن يحضرون:
وَمَن ذا الذي تُرضي سجاياهُ كلُّها​كفى المرءَ نُبْلاً أن تُعدَّ معايِبُهْ

حدود البحث وقضيته الأساسية
أَلِفَ الأصوليون في ممارستهم الاجتهادية أن يقوموا "بتحقيق المناط" بعد تخريجه وتنقيحه، وفي جانب الاختلاف وإيراد المعارضات والممانعات والمناقضات أن يبدأوا بتحرير "موضع النزاع". وجريًا على منهجهم في ذلك فإننا نودّ أن نبدأ بتحرير قضية هذا البحث الأساسية منذ البداية؛ لئلا تلتبس الأمور على بعض القارئين:

1. إن هذا البحث لا يعالج قضية كفر المرتد ردة حقيقيّة، وخروجه عن الإسلام بعد معرفته به وقبوله له وإيمانه به؛ فكفر هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة ولا جدال فيه. وسواء في ذلك فَضّل المرتد دينًا آخر انتقل إليه وآمن به، أو بقي ملحدًا من غير دين.
2. إن هذا البحث لا يعترض على معاقبة المرتد على أية جريمة أخرى يرتكبها في حق الجماعة أو شريعتها أو نظمها وأعرافها المعتبرة، أو الخروج على الجماعة، أو حكامها الشرعيّين، فأيّة جريمة أخرى يرتكبها، سواء بنيت على الردة، أو قارفها لأسباب أخرى، فإن للأمّة أو الجماعة أن تطبق على فعله الجرمي الأحكام المقرَّرة شرعًا ونظامًا لذلك الجرم، فيسري عليه ما يسري على غيره؛ إذ إنّ الردّة -والعياذ بالله- إذا لم تشكل ظرفًا مشدِّدًا على المرتد فإنّها لا ينبغي أن تكون وسيلة تخفيف عنه.
3. إن البحث لا يرى، ولا يطلب، من الجماعة أو الأمة أن تأذن للمرتد بممارسة الدعوة إلى الردة سِرّا أو علنًا، أو العمل على إيجاد تجمع حوله يسعى لإحداث تغيير في عقيدة الأمة أو الجماعة أو تصوراتها أو مقومات إيمانها وإسلامها بالقوة أو بالدعوة، فتلك -كلها- تعد من الأعمال المعادية للأمة وللجماعة، ولها أن تمنعها، وتوقف الفاعلين عند حدودهم بما يتناسب وخطورة ما يقومون به، وردعهم عن ذلك بما يتفق والقيم العليا ومقاصد الشريعة.
4. إن قضية البحث الأساسية هي الردّة الفرديّة بمعنى: تغيير الإنسان عقيدته، وما بني عليها من فكر وتصور وسلوك، ولم يقرن فعله هذا بالخروج على الجماعة أو نظمها، أو إمامتها وقيادتها الشرعيّة، ولم يقطع الطريق، ولم يرفع السلاح في وجه الجماعة، ولم ينضم إلى أعدائها بأية صفة أو شكل، ولم يقم بخيانة الجماعة: وكل ما كان منه -هو تغيير في موقفه العقيديّ نجم عن شُبَهٍ وعوامل شك في جملة عقيدتها، أو في بعض أركانها، ولم يقو على دفع ذلك عن قلبه، واستسلم لتلك الشبهات، وانقاد لتأثيراتها، وانطوى على ردّته تلك، فلم يتحول إلى داعية لها -كما ذكرنا سابقًا- فبعد الاتفاق على ردّته وكفره، نقول: هل لمثل هذا شرع الله حدًا هو القتل بعد الاستتابة أو بدونها، بحيث يصبح واجبًا على الأمة -ممثلة بحكامها- أن يقيموا عليه هذا الحد، فيقتلوه على مجرد التغيير في اعتقاده، حتى إن لم يقترن هذا التغيير بأي شيء آخر مما ذكرنا؟ وإذا قتله أحد أبناء الأمة فلا يقتص منه ولا يقاد به، ولا شيء عليه في ذلك إلا عقوبة الافتئات على الحاكم؟ وهل يجب على الأمة أن تُكره هذا وأمثاله على الرجوع إلى الإسلام والعودة إليه بالقوة؟ وهل يعد هذا لو حدث من قبيل الإكراه في الدين الذي نفاه القرآن المجيد أولاً؟ وهل القول بوجوب قتل المرتد أمر مجمع عليه في كل العصور، أو أن فيه خلافًا لم يبرز بشكل كاف؟ وإذا قيل بوجوب قتل المرتد فهل يعني ذلك أنّ الكفر المجرد يصلح أن يكون سببًا لإيقاع عقوبة القتل شرعًا؟ وهل تعدّ العقوبة الخاصة بالردّة عند جماهير القائلين بها جريمةً سياسيّة أو هي جريمة تندرج في إطار الجنايات، فتأخذ العقوبة -آنذاك- صفة الحد الشرعيّ؟ وهل يعدّ هذا الحد -إذا سلمنا بكونه حدًا- تكفيرًا أو تطهيرًا؛ إذ المنصوص عليه أن الحدود مكفِّرات؟ وهل الردة تعد خروجًا من الإسلام أو خروجًا عليه؟ هذه قضايا الدراسة الأساسيّة، وسنتعرض لها، ولما قد تفضي إليه من قضايا أخرى، إن شاء الله -ملتزمين بالمنهج المتقدم ذكره- سائلين العلي القدير العون والتسديد، والتوفيق إلى الرأي الرشيد والقول السديد، وهو ولي التوفيق والقادر عليه.
أرجو أن أكون قد قدمت في هذا البحث -نموذجاً- لمنهج في المراجعات في التراث بحيث نجعل تراثنا ممّا يصدّق القرآن عليه ويهيمن، وأرجو أن يفتح ذلك مجالاً لهذا النوع من المراجعات الجادّة أمام الباحثين، سائلاً العليّ القدير أن يتقبل مني هذا العمل، وينفعني به يوم الدين ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ {88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:88-89]
والله الموفق




































الفصــل الأول
































دعوى الإجماع على وجوب قتل المرتد
لقد أغلق جمهرة العلماء باب الحديث في هذه القضية بسيف الإجماع؛ فدعوى الإجماع منذ وقت بعيد اتخذت وسيلة للحيلولة دون مراجعة بعض القضايا الخطيرة -مثل هذه القضية- مع وجود الخلاف في حكم الردة في القرون الثلاثة الخيِّرة، وعدم تحقق الإجماع في تلك العصور على حكمها، لكن القائلين بوجود حد القتل للمرتد في شريعتنا ادعوا الإجماع؛ ليحولوا دون الالتفات إلى مخالفة عمر بن الخطاب وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري، وغيرهم من ناحية، وليغلقوا الباب دون التفكير بأية مراجعة لهذا الحد من المتأخرين، ومن الذي يستطيع أن يراجع حكمًا أجمع علماء الأمة عليه!؟

الاستغلال السياسي "لحد" الردة
لقد كُتبت دراسات عديدة في الردة وحكمها بعضها أعد لنيل درجات علمية ماجستير، ودكتوراة وبعضها دراسات أعدت في إطار دراسة الحدود الشرعية، وكل تلك الدراسات كانت تمر على عجل على مذاهب المخالفين في حكم الردة من الصحابة وغيرهم على جلالة أقدار أولئك المخالفين، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وقد لفت ذلك نظري خاصة بعد أن ابتليتُ باستفتاء في قضية الردة كان من أخطر ما مر بي في حياتي، وكان له أثر كبير في عقليّتي ونفسيّتي، بل في حياتي كلّها.

ففي بدء حياتي العملية، وبعد وقوع محاولة انقلاب الشيوعيين الفاشلة ضد حكومة عبد السلام عارف وحزب البعث جناح عفلق عام 1963، قامت الحكومة البعثيَّة باعتقال ما يزيد على خمسة آلاف وخمسمائة من الشيوعيين، واجتمع ما كان يعرف بمجلس قيادة الثورة البعثيّة وقرر إعدام الحزب الشيوعي كلّه بدءًا بمن تم اعتقالهم، أي الخمسة آلاف ونصف.

وحُدِّد يوم التنفيذ وجهازه، وأُسندت مهمة التنفيذ إلى اللواء الركن (س)، وأُمر أن يأخذ فصيلة نار من جنده ويطير إلى سجن نقرة السلمان لتنفيذ قرار مجلس قيادة الثورة.

فتاوى المراجع الدينية
وحين رأى السيد (س) -وهو رجل من المصلين- ضخامة العدد الذي أمر بقتله شعر بخطورة الأمر وطلب الحصول على فتوى من كبار علماء البلد من السنّة والشيعة. فاقترحت الحكومة عليه مراجعة السيد محسن الحكيم المرجع الشيعيّ الأكبر آنذاك، والإمام الخالصيّ وهو من المراجع آنذاك، ومفتي العراق السنّي نجم الدين الواعظ. وقد قدّم المراجع الثلاثة للسيد (س) فتاواهم بضرورة إعدام الشيوعيين باعتبارهم مرتدين، وكان السيد الحكيم فقط قد اشترط على السيد (س) أن يتأكد من عدم اشتباه هؤلاء في انتمائهم أو انخداعهم في ذلك، وأن يُفرَّق في ذلك بين الشيوعيين العقائديّين وغيرهم من المغرر بهم.
وقد كان السيد (س) صديقًا لي يتردّد على المسجد الصغير الذي كنت أخطب الجمعة فيه في الكرادة الشرقية، لذلك قرر أن يحضر إلى منزلي الملاصق للمسجد بعد الثانية من صباح يوم التنفيذ، وقبل مغادرته إلى نقرة السلمان بخمس ساعات، ليعرض الأمر عليّ ويأخذ مني الفتوى الرابعة فيكون لديه أربع فتاوى: اثنتان من إمامين شيعيَّين، واثنتان مثلهما من سنيَّين، ولم يدر بخلده -على ما يبدو- أن فتواي يمكن أن تخالف فتاوى الثلاثة.

وجهة نظري في الموضوع
قلت للسيد (س) لو قلت لك: إن هذا حرام شرعًا أتستطيع أن تتوقف عن التنفيذ وقد اتخذتم سائر الإجراءات اللازمة لذلك، وأنت رجل عسكري؟ قال: لا يستطيعون إجباري على تنفيذ هذه المهمة إذا رفضت، وسوف يجدون غيري. قلت: وما هي التهمة التي ستعدمون هذه الآلاف بمقتضاها؟ قال: إنّها الردة عن الإسلام!! قلت: لو لم ينافس هؤلاء حكومة حزب البعث العراقي، جناح ميشيل عفلق على السلطة، ويقوموا بمحاولة الانقلاب ضدهم، هل كانوا سيعدمون هكذا؟ قال: لا. قلت: إذن هي قضية سياسيّة لا علاقة لها بالدين، فلماذا يُزجّ الدين فيها؟ قال: ألا يمكن اعتبارها جريمة مركّبة لها جانب دينيّ وجانب سياسيّ؟ فالدينيّ يتمثل بالردة، والسياسيّ بمعاداة حزب البعث ومحاولة الثورة ضده بقلب نظام الحكم؟ وهي في كل الأحوال فرصة لتصفية حسابات الجرائم التي ارتكبوها في ظل الحكم السابق.

قلت له: دعنا نناقش الجانب الدينيّ وننتهي منه، ثم نعود إلى الجانب السياسيّ. فأتيته بدستور حزب البعث العراقي (جناح ميشيل عفلق) قبل أن يُدخلوا عليه التعديلات التي أدخلوها فيما بعد. وكانت المادة الأولى منه تنص على: إن الحزب يؤمن بالماركسيّة اللينينيّة بتطبيق عربيّ! فقلت له: إذا كانت الشيوعيّة هي المبادئ الماركسيّة اللينينيّة فالبعثيّون يؤمنون بالماركسيّة اللينينيّة إيمان الشيوعيّين بها، لكن الشيوعيّين أمميّون والبعثيّين عرباويّون. فإذا كانت المسألة مسألة ردّة فردة البعثيّين القائلين بهذا لا تقل عن ردة الشيوعيّين، ولا تختلف، فلماذا تجعل نفسك أداة بيد مرتد لتقتل مرتدًا آخر؟

وهنا قال الرجل: -إذن- كيف أعطاني أولئك العلماء الكبار فتاواهم دون مناقشة؟ قلت: لقد صيغ لهم السؤال بخبث لينحصر نظرهم في الجانب التكفيريّ!! ولكن الإسلام دين تزكية وتطهير لا دين تكفير، فهو لم يأتِ لقتل الناس، بل لتطهير عقولهم وقلوبهم من الشرك والإلحاد، ودفعهم إلى حسن استعمال تلك العقول والقلوب ليصلوا إلى الحقائق. فإذا اتضح هذا الأمر لك فسأعرّج على الجانب السياسيّ. وهنا لن أكون مفتيًا، بل صاحب رأي يعبر عن رأيه، قد يكون خطأ وقد يكون صوابًا.

قلت: إن البعثيّين يعرفون أنّك من المصلين، ووالدك من العلماء القضاة، ولأسرتك تاريخ دينيّ معروف، وأنت معروف بين ضباط الجيش باندفاعك، فحين اختاروك أحسنوا الاختيار، لأنّهم يريدون أن يلبسوك والعناصر المتدينة والإسلامية في الجيش تهمة الدمويّة والوحشيّة وإبادة العناصر التقدميّة. وما أظنّهم إلا قد أعدّوا البيانات التي سيذيعونها مساء الغد بعد أن تبلغهم بأنّك قد نفذت، وتمت إبادة الشيوعيّين، ليعلنوا أنك دمويّ مجنون حاقد رجعيّ، دفعتك العناصر الرجعيّة لإبادة الرفاق التقدّميّين دون علم القيادة. وبعد ذلك سيقومون بتطهير القوات المسلحة ومؤسسات الدولة من المتديّنين والإسلاميّين، وبذلك يتخلصون من أخطر خصومهم التقليديّين بضربة واحدة، وستكون فتاوى الأئمة الثلاثة وسيلة لإلباس الإسلاميّين هذه التهمة. وقد يقيمون المآتم ومجالس العزاء على الرفاق التقدميّين إمعانًا في التضليل. واستيقظ الرجل وشعر بخطورة الأمر، وقرر الذهاب إلى القصر الجمهوريّ فورًا للاعتذار عن المهمة. وقلت له: إذا لم تكن خطتهم كما ذكرت لك فسيستبدلونك بسواك ولديهم الكثير من القتلة المحترفين، وسينفذون جريمتهم، لكنّهم إذا صرفوا النظر بعد اعتذارك، فذلك يعني أن فرضيّتي صحيحة تمامًا.

وذهب الرجل واعتذر، وأُُسقط في أيديهم جميعًا، ولم تنفذ العمليّة بعد ذلك أبدًا بذلك الشكل الجماعي، وإن تم تنفيذها بالمفرق في الشعوب الثلاثة: العراقي والإيراني والكويتي. وبعد أسابيع قليلة كتب ميشيل عفلق نفسه مقالة نشرتها جميع صحف بغداد وأذيعت عدة مرات بالتليفزيون والراديو يدعو فيها الشيوعيّين للانضمام إلى حزب البعث العراقيّ والتحالف معه، ويذكر لهم مسوِّغات ذلك، وفي مقدمتها أن حزب البعث استطاع أن يحمي الرفاق الشيوعيين من مؤامرة رجعيّة خطيرة كانت تستهدف إبادتهم جميعًا، ولولا الموقف الشجاع لحزب البعث وقيادته الحكيمة!! التي حالت دون ذلك في اللحظات الأخيرة لوقعت هذه الجريمة، وكان رفاقنا -جميعًا- في عداد الموتى!!

خطورة الاستمرار بتبنِّي حد الردّة مع جميع ما أحاط به من ظلال تاريخيّة
منذ هذه الواقعة وكلمة الردة عندي كلمة في غاية الخطورة، لها تداعيات هائلة في عقلي وفي نفسي، فلم تعد مجرد جريمة لها في الفقه الإسلاميّ عقوبة أو حد، أو لا شيء فيها. وهل تعتبر من قبيل التعبير عن الرأي، أو هي اعتداء على الجماعة وحقها العام؟ وهل هناك إجماع على وجوب قتل المرتد؟ أو هي مسألة خلافية؟ وهل يُقدَّم فيها حق الفرد في التعبير عن رأيه ومعتقده، أو حق الجماعة في حفظ وحماية مقدساتها؟ كل ذلك قد يخطر أو لا يخطر على البال، لكن من أهم ما يتبادر إلى ذهني عند ذكر هذه الجريمة هو المؤامرة، مؤامرة الدولة -الغول البشع- على الحرية، سواء مارسها فرد أو حزب أو فئة أو عالِم، هي مؤامرة الدكتاتورية الغاشمة المجرمة على المعارضين والمخالفين لها أيّا كانوا، هي مؤامرة استعباد الطغاة الجبابرة للمستضعفين، والتحكم في مصائرهم، لا على مستوى الحياة الدنيا فقط، بل على مستوى الآخرة إن استطاعوا. هي محاولة قتل وتدمير عباد الله بالافتراء على الله، وانتحال صلاحيَّاته، وادّعاء تمثيله، والنطق باسمه مع تزييف هدايته وتعاليمه. هي مؤامرة الخاطفين للسلطة، والمتغلّبين على الأمم، والمزيِّفين لإرادة الشعوب، ضد معارضين لا يملكون إلا ألسنتهم التي يقطعها الجبابرة عندما لا تنطق بمآثرهم ولا تؤلههم ولا تسبح بحمدهم.

هذه الخواطر وكثير غيرها تتبادر إلى ذهني عندما يجري ذكر الردة والحديث عنها، ولذلك فقد قررت الكتابة عنها وتناولها، ومعالجة ما يتعلق بها، ولقد أخّرت ذلك كثيرًا وسوّفت فيه لأسباب مختلفة.

كلمة لا بد منها:
قبل أن ننتهي من إعداد مسوّدة هذه الطبعة، شغل العالم كلّه بواقعة رِدّة علنيّة جديدة سقط فيها واحد من أبناء أفغانستان هو المدعو عبد الرحمن عبد المنّان، وهذا المواطن الأفغانيّ كان قد التحق بعمل مع هيئة إغاثة نصرانيّة كانت تعمل في بيشاور في باكستان سنة (1990) فأثّر عليه أولئك الذين عمل معهم وتنصّر. وفي سنة (1993) سافر إلى ألمانيا أملاً في الحصول على لجوء سياسيّ!! ولم يفلح في الحصول على ذلك، وحاول مع بلجيكا ولم يفلح -أيضاً- ثم عاد إلى أفغانستان عام (2002) وقد طلبت زوجته المسلمة الطلاق منه بسبب تنصُّره فحصلت على الطلاق.وذلك حقّ من حقوقها لا مراء فيه.
ثم تنازعا على حضانة البنات اللّواتي كنّ ثمرة زواجهما فطعنت الزوجة المطلّقة بعدم أهليّته لحضانة البنات خوفاً عليهنّ من التنصير، ولم ينكر تنصّره، وضبطت في منزله نشرات وكتب تنصيريّة إضافة إلى نسخ من العهد الجديد. وفي (فبراير 2006) انتهت به نزاعاته الطويلة مع زوجته إلى السجن. وسرعان ما حولته أجهزة الإعلام العالميَّة إلى قِدّيس منتظر يوشك أن يستشهد في سبيل المسيح!! فتدخل الرئيس الأمريكي بوش ووزيرة خارجيّته ورئيس وزراء إيطاليا برلسكوني وآخرون، وضغطوا على الرئيس الأفغاني كرزاي لإطلاق سراحه وإيصاله آمناً إلى إيطاليا التي كان رئيس وزرائها (بيرلسكوني) اليمينيّ يواجه أهم تحدٍّ انتخابيّ في حياته السياسيّة ضد تحالف اليسار وقد انتهى بهزيمته. فنفذ كرزاي الأوامر، وضغط على المحكمة للإفراج عنه بحجّة كونه مختل العقل غير مؤهّل للمحاكمة عن تصرّفاته. فأطلق سراحه في (27 مارس) وأرسل إلى إيطاليا ليصلها في (29 مارس) فمنحه (بيرلسكوني) حق اللّجوء السياسيّ ليبدو رئيس الوزراء أمام ناخبيه حامي حمى الحريّة والصليب المقدّس والإنسانيّة.
أمّا الرئيس الأمريكي بوش فلم يتردد في أن يعلن في خطاب علنيّ عن انزعاجه الشديد لسماعه أنّ شخصاً يعاقب لاختياره ديناً على دين آخر، وكلّف وزيرة خارجيّته بعمل كل ما يلزم لحماية هذا المتنصّر، وتأمين حياته. وقامت رايس باللازم، وقالت وهي تمارس ضغوطها على الحكومة الأفغانيّة ورئيسها: "...إن هذا أمر مقلق للغاية في أفغانستان، وقد أثرنا المسألة على أعلى المستويات واتصلت بكرزاي وأثرت معه الموضوع بأشد لهجة ممكنة !! ليعرف أن على أفغانستان التي حرّرتها -أمريكا- أن تؤكد تمسكها بما نص عليه دستورها [الذي ساعدتها أمريكا في وضعه] واحترام ميثاق حقوق الإنسان".
وقد اهتم الإعلام الغربيّ، المرئيّ منه والمسموع والمقروء، بهذا الموضوع اهتماماً كبيراً لم يسبق له مثيل إلاّ في قضيّة سلمان رشدي وشيطانيّاته.
وقد علّقت نيويورك تايمز في مقالها الافتتاحي بتاريخ 23/3/2006 على الموضوع فقالت: "....يجب على الولايات المتحدة وبريطانيا وكل الدول الأخرى التي تساعد الحكومة الأفغانيّة مراجعة النظام القانونيّ هناك ....(وأعطت للأفغانييّن عاَّة والزعماء المسلمين خاصّة درساً في بيان مصلحة بلادهم)... فقالت: "من مصلحة الزعماء المسلمين إدانة هذا الأمر بشدة؛ فالذين ما زالوا يبقون تعاليم الإسلام رهينة لعدم التسامح يلحقون ضرراً بالغاً بدينهم. (وأردفت قائلة): إنّ أفغانستان ليست الحليف الوحيد لأمريكا الذي يطبق قوانين دينيّة صارمة قاسية.. لكنّ أفغانستان بلد حرّرته القوات الأمريكيّة من طالبان!! وما زالت هذه القوّات تصون السلم فيه.. وإذا كانت أفغانستان تريد العودة إلى أيام طالبان فلتفعل، ولكن بدون مساعدة أمريكيّة!!".
كما كتبت صحيفة واشنطن تايمز في كلمة تحريرها بتاريخ 23/3/2006 مقالة حملت عنوان: "أطلقوا سراح عبد الرحمن" جاء فيها: "... إنَّ الديمقراطيّة المبنيّة على مبادئ الحريّة والتسامح لا تقتل المنشقّين دينيّاً؛ لهذا كانت أفغانستان في عهد طالبان واحدة من أكثر الدول القمعيّة في العالم، لكن ما جدوى أيّ إنجاز للجنود الأمريكيّين إن لم ينجحوا في إنهاء تلك الحقبة الهمجيّة المنتمية للقرون الوسطى؟! ثم قالت الصحيفة: من الناحية النظريّة يضمن الدستور الأفغانيّ الحريّة الدينيّة، لكنّه ينصّ -أيضاً- على أنّ الشريعة قانون البلاد..."
وأدلت مجلة ناشنال ريڤيو الأمريكيّة بدلوها في الأمر فكتب أحد كتّابها، أندرو مكارثي، مقالة بتاريخ 22 مارس 2006 بعنوان "نحن وأفغانستان ومشكلة الشريعة" جاء فيها: "... نحن نحصد ما زرعنا، فما حدث في أفغانستان والعراق هو بالضبط ما جلبناه على أنفسنا حين شاركنا بقوّة وبشكل يتنافى مع عمليّة التطوير الطبيعيّ للديمقراطَّة الأصليّة في صياغة دساتير تتجاهل حتميّة الفصل بين السلطتين المدنيّة و الدينيّة، وتعتبر الإسلام دين الدولة، جاعلة للشريعة قوة تشريعيّة مهيمنة على القانون... ونصّت على ضرورة دراسة القضاة للفقه الإسلاميّ...".!! وهناك الكثير من المقالات والدراسات التي صدرت بهذه المناسبة، ووجهت نقداً لاذعاً للشريعة والفقه والثقافة الإسلاميّة. ووجهت اللّوم للحكومة الأمريكيّّة على تعاونها مع الحكومات التي جاءت بها إلى بلدان مسلمة، ولم تستطع لحد الآن أن تحملها على التخلي عن الشريعة، وإبعادها والفقه المستند إليها عن مجالات التأثير في دساتير وقوانين تلك البلاد المحرّرة!!!
وقد نشرت بتسبرج تربيون بتاريخ 28/3/2006 مقالة كتبها باتريك بوكانون المرشح السابق للرئاسة، والمعلّق المعروف بيمينيّته المتشدّدة، كانت مقالته بعنوان "أيّ ديمقراطيّة هذه؟" جاء فيها: "...أيّ ديمقراطيّة هذه التي يتفاخر بها الرئيس بوش؟ هل هي شيء يستحق إرسال شبابنا الأمريكيّ للحرب والموت من أجلها؟ وإذا كان الشعب الأفغانيّ متقبلاً لقطع رأس عبد الرحمن، فما الرسالة التي نستشفها من مدى تسامحهم مع المسيحيَّة، ومدى التزامهم بالحريّة الدينيّة" ؟!! ويضيف بوكانون: "لا يبدو أنّ المسيحيّة في وضع أفضل في تلك الديمقراطيّة الجديدة الأخرى في العراق!! ففي عهد صدام كان المسيحيّون يمارسون شعائر دينهم في أمن وسلام، لكن -الآن- وبعد ثلاث سنوات من التحرير!!! يتم تفجير الكنائس، وتهديد العائلات المسيحيّة بالمجازر!! إنّهم يفرون إلى سوريا الملاذ الجديد للمسيحيّين. إن محافظينا الجدد تواقون إلى تحرير سوريا، ونشر الديمقراطيّة فيها بالمثل، ولو نجحوا فليتولّ الله أمر المسيحيّين هناك؛ لأنّه لن ينفعهم أحد -حينها- سواه".
وهذه الواقعة وما أحاط بها قد أكدت مجموعة كبيرة من القضايا، منها:
1. أنّ قضيَّة الردّة بدأت سياسيّة، واستمرت سياسيّة، وستظل كذلك، والجانب الدينيّ فيها جانب ضئيل لا يثار إلاّ ليوظَّف في خدمة الجانب السياسيّ وما يتعلَّق به، سابقاً وحاليّاً ولاحقاً.
2. أنّ قرارات غزو أفغانستان والعراق، وأيّة قرارات غزو أخرى، شامل أو محدود، تتخذ من القيادات الغربيّة، لها قواعد شعبيّة واسعة تسند الحاكم المنتخب، وتقف وراءه تدعمه فيما يفعل، ولكن بطريقة "كلّ يغني على ليلاه" فرجال الأعمال والشركات يقيسون النجاح في الغزو بما يستطيعون أن يحققوه من أرباح بمختلف الطرق التي لا يلزم أن تكون مشروعة؛ لأنّها تستمدّ شرعيّتها من مبدأ الغزو المكسو بثياب التحرير. ورجال التنصير يرون فيها فرصة لنشر النصرانيّة، وتعزيز نفوذ وامتداد كنائسهم في العالم، وتحقيق إنجازات في هذه المجالات.
3. إنّ الديمقراطيّة -في نظرهم- منحة يملكون سائر حقوق التحكُّم بها، فتمنح حين تمنح بمقادير محدّدة، وتحجب بمقادير، وهي خاضعة في سائر الأحوال لكرم وأريحيَّة السيد المانح. وله -وحده- حق إمضاء ما ينتج عن العمليّة الديمقراطيّة، أو إلغاؤه أو تجميده.. إن شاء، ومتى شاء، وكيف شاء.
4. إنّ أيّ شيء يتعارض واستراتيجيّة الغازي، أو لا يلبي له ما كان يريد تحقيقه، يمكن أن يُرفض ويمنع أو يلغى، مع اتهام المطالب بذلك بالإرهاب، أوبمعارضة الديمقراطيّة، أو عرقلة مسيرة العمليّة السياسيّة، أو أيّة حجّة أخرى، بحيث لا يحجب عنه ما أراد فحسب، بل يخرج بتهمة عليه أن ينشغل بها سنين للتنصّل منها، وقد يفقد حياته ثمناً لحسن ظنّه بالغازي، أو ثقته بكلمته، أو أمله فيه.
5. ولذلك فقد شعر بعض المثقفين العرب والمسلمين، وخاصّة أولئك الذين درسوا في الغرب، وتعلّموا فيه، وخبروا أساليبه، أنّ هناك محاولات استغلال لما حدث تستثمر بتعمّد وسابق إصرار، بل ذهب بعضهم إلى أنّ هناك خطة مبيّتة، أو نوعاً من التواطؤ الاستراتيجيّ، لاستثمار تطرّف أو إرهابيّة أسامة بن لادن والقاعدة، وقد أدينت وشجبت إسلاميّاً من سائر الهيئات والمؤسّسات الدينيّة والمدنيّة والسياسيّة، وكذلك من القيادات العربيّة والإسلاميّة، ومجتمعات الأقليّات المسلمة في أمريكا خاصّة، وفي الغرب عامّة.
وقد أضيف إلى ذلك وبعناية فائقة ما كان شائعاً ومعروفاً من عدوانيَّة صدَّام وهي عدوانيَّة شجبها العرب والمسلمون كذلك، ولكن أجهزة بناء الرأي العام الغربيّ الأساسيّة والسائدة استطاعت أن تدخل في العقل الغربيّ فكرة أنَّ الأمّة المسلمة -والعرب منها- أمّة من العناصر العدوانيّة الخطرة التي تكره الغرب، وتحقد عليه، وتحسده على ما يتمتّع به من قوة وتقدم. والمثقفون العرب والمسلمون يفسّرون هذه التعبئة المقصودة بأنّها محاولة من أمريكا وحلفائها لبسط سيطرتها الشموليّة وفقاً لمعايير الغرب الذاتيّة على سائر العرب والمسلمين دون إقامة أي اعتبار لأيّة معايير أخرى، ودون فهم إيجابيّ لحقائق وخصائص ومقوّمات الشخصيّة العربيّة والإسلاميّة؛ وبذلك فرضوا على جميع العرب والمسلمين عقاباً جماعيّاً لا سند له إلاّ منطق القهر الرومانيّ القديم.
6. وقد استمرت وتيرة التصعيد حتى تجاوزت جميع الخطوط الحمراء، إذا بقيت هناك خطوط حمراء. فقبل أن يُفيق العرب والمسلمون من صفعة الإساءة إلى القرآن المجيد بتأليف ونشر ما أطلقوا عليه "الفرقان الحق" جاءت صفعة الإساءة إلى سيدنا رسول الله r في الرسوم التي نشرت في بعض الصحف الأوربية، ثم استغلت قضيّة المرتد الأفغانيّ لتوجيه صفعة أو صدمة أخرى بنقد الشريعة والإساءة إليها، واتّهامها بالجمود والقسوة والتخلّف، وغرس الكراهية للبشر في نفوس المسلمين. وأعلن الغرب الدعوة إلى تنقية دساتير جميع الدول العربيّة والإسلاميّة من أيّة إشارة إلى الشريعة ومرجعيّتها لتعارض ذلك مع حقوق الإنسان، ووثيقة الأمم المتحدة، وقواعد الشرعيّة الدوليّة. وهم في حملاتهم هذه لا يفرِّقون بين الشريعة باعتبارها تشريعاً ووضعاً إلهيّاً وبين الفقه البشريّ لها وهو جهد إنسانيّ قابل للخطأ والصواب. وكذلك التطبيق البشريّ النسبيّ القاصر. وهم لا يلتفتون إلى أن هؤلاء المرتدين الذين يريدون حمايتهم، ويطالبون بحقوقهم، ويرفضون تعريضهم لأيّة بحوث أو دراسات لمعرفة الأسباب الحقيقيّة لتحوّلهم عن الإسلام، هؤلاء قد تعرضوا لضغوط وإغراءات إغاثيّة وكنسيّة دونها عمليّات الإكراه المرفوضة إسلاميّاً بكثير. وقد أخضع الكثيرون منهم لعمليّات غسيل مخ، وتشطيف دماغ بوسائل شتى تتناسب والمراحل العمريّة لهم، وظروفهم النفسيّة والاجتماعيّة والمعيشيّة. في حين أنّ الذين يقبلون على الإسلام من الغربيّين إنّما يقبلون عليه بكامل حريّتهم واختيارهم، وبعد دراسة، أو مرور بخبرات وتجارب أوجدت لديهم قناعة بأنّ الإسلام يمكن أن يقدم إجابات مقنعة عن تساؤلاتهم، ومعالجات جادّة لمشكلاتهم. فهم لا يعانون من هزائم نفسيّة، ولا يتعرضون لأيّة إغراءات، اللّهم إلاّ الشباب الذين يقعون في حالات حب من الجنسين فإن مثل هؤلاء يمكن أن نعتبر تحولهم دينيّاً قد شاركت فيه بعض الضغوط العاطفيّة.
7. إنّ هذه الدراسة التي أقدمها قد برهنتُ فيها بما لا يدع مجالاً لشكّ على تأصيل القرآن الكريم وبيانه من السنّة القوليّة والفعليّة للحريّة الدينيّة، ولم تخضع هذه الدراسة للمؤثِّرات اللّبراليّة، ولا التوجّهات الغربيّة في تفسير الحريّة تفسيراً مطلقاً. بل استعملتُ فيها المناهج الإسلاميّة الأصيلة نفسها، وطرق التعامل مع الخطاب القرآنيّ والنبويّ، التي ابتكرها علماء الإسلام في عصور التألق والازدهار، ولذلك فإن هذه الدراسة لم تقف موقفاً تلفيقيّاً أو توفيقيّاً أو مقارباً أو مقارناً مع اللّبراليّة والفكر اللّبراليّ، بل إنّ مصدر قوتها أنّها نابعة من المنظومة الإسلاميّة، وإليها مرجعيّتها. وهي دراسة تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنّ أهل التراث الإسلاميّ هم الأولى والأحق بمراجعته من داخله وبآليّاته، وأن الضغط الخارجيّ أيّاً كان سوف يؤدي إلى مزيد من التشبّث بالتراث بقضّه وقضيضه و بخيره وشره، وسيعزل العناصر المعرفيّة والموضوعيّة والمعتدلة عن مجالات التأثير في اتجاهات وتوجّهات العقل المسلم المعاصر.
وإذا كانت النوايا الغربيّة سليمة فهذا هو الطريق السليم لتهيئة المسلمين لدور الشريك الفاعل في صناعة عالم الغد. أما إذا كان المقصود إزالة سائر الخصوصيّات الإسلاميّة، وتذويب مصادر الثقافة والحضارة الإسلاميّتين فدون ذلك خرق القتاد كما يقال. فإنّ العرب والمسلمين قد عاشوا مع تراثهم ما يزيد عن أربعة عشر قرناً، وتعرّضوا إلى كثير من الثقافات والحضارات، فكان المحتلّون هم الذين يعتنقون الإسلام، وينحازون إلى الثقافة والحضارة الإسلاميّة، لا العكس، مع أنّ القاعدة التاريخيّة تؤكد أن "المغلوب مولع بتقليد الغالب"، لكن الثقافة والحضارة الإسلاميّتين أثبتتا عكس ذلك، لما فيهما من عناصر القوة الذاتيّة والمرونة والسعة والانفتاح.
8. إنَّنا أمّة لديها الكثير لتعطيه لأمم الأرض، وتستطيع أن ترفد الحضارة العالميّة المعاصرة بكثير من مصادر التصحيح والترشيد، وحرام أنْ تحرم البشريّة والحضارة الإنسانيّة من خيرات الإسلام وعطاء المسلمين، ولو اكتشف صنّاع الحضارة المعاصرة الإسلام وما فيه من حلول ناجعة لمشكلات الحضارة لجالدوا المسلمين عليه بالسيوف فما في مصادر الإسلام من هدى ونور، وما في تراث المسلمين من خير كثير، والصالح النافع المفيد فيه، أكثر بكثير من سواه.كما أنّ فيه رؤية إنسانيّة كونيّة هي أهم بكثير من مصادر الطاقة التي يتركز اهتمام القيادات والشركات العالميّة عليها.
9. إنّ قيادة العالم المركزيّة وقادة النظم في بلاد العرب والمسلمين في حاجة إلى أن يعيدوا النظر في سياساتهم تجاه حَمَلَةِ الإسلام، ويدركوا -جميعاً- أنّه لا يمكنهم تحقيق إصلاح أو تغيير في بلاد العرب والمسلمين لا "بالفوضى الخلاّقة" ولا "بالفوضى الفوضويّة"، بل لا بد من توفير شروط أساسيّة، منها:
أولا: عدم تجاهل دور المثقفين والمفكرين العرب والمسلمين، وبخاصّة ذوي التوجّهات الإسلاميّة الحضاريّة المعتدلة ذات المنطلقات المنهجيّة والمعرفيّة، والتخلُّص من حالة الخلط بينهم وبين عناصر الغلوّ والانحراف، أو العناصر الأيديولوجيّة الكونيّة.
ثانياً: مساعدة هؤلاء وتدريبهم والتعاون معهم بإخلاص لبناء مؤسّسات المجتمع المدنيّ ودعمها وحمايتها لتكون طبيعتها منسجمة مع خصائص هذه الأمّة الذاتيّة، وتكون لديها القدرة على استقطاب الطاقات الفاعلة في الأمَّة، وبناء حالة الوعي الضروريّة لقبول الإصلاح والتغيير ذاتيّاً، دون فرض أو إهانة أو احتلال.
ثالثاً: إنّ فقهاء المسلمين وعلماء الاجتماعيّات منهم لهم دور في غاية الأهميّة في هذه المرحلة، لمراجعة تراث الأمّة بشجاعة و إخلاص، ومنهجيّة معرفيّة تميز بين ما استنفد أغراضه منه بحيث يجب استبعاده وعدم الانشغال به، وجعل التعامل معه خاصّاً بالمؤرخين للأفكار، والمتابعين لتطورها وحركتها، وبين ما هو في حاجة إلى تنقية وتأصيل وتصديق بالقرآن عليه، والبناء عليه، والاحتفاظ به وتطويره، والعناية به في البرامج التعليميّة والإعلاميّة المتنوّعة.
رابعاً: إنّ هناك فرقاً كبيراً بين تراث يشكل في الأمّة فاعليّة ودافعيّة وحيويّة، وبين تراث مقعد لها، معيق لحركتها. ومما لا شك فيه أنّ في بعض تراثنا مشكلات، وفي بعض جوانبه غلوّاً، وفي بعضه تداخلاً مع تراث دينيّ أو فلسفيّ غريب عن روح الإسلام، بعيد عن مصادره؛ ولذلك برزت في بعض جوانبه ظواهر بعيدة كل البعد عن المقاصد القرآنيّة والسنن والسيرة النبويّة. وتلك الظواهر -كلّها- في حاجة إلى مراجعات جادّة، وبدلاً من أن نشغل طلاب العلوم النقليَّة وبعض الدراسات الاجتماعيّة لنيل الدرجات العلميّة بتحقيق مخطوطات لا يُدرى الهدف -أحياناً- من تحقيقها، أو كتابة دراسات تعيد إنتاج تراث لم تجر دراسته بعناية ليتم إحياؤه بلغة جديدة، أو تناول موضوعات مكرّرة لا تأتي بجديد، فإنّنا في حاجة ماسّة إلى أن نستثمر طاقاتهم في بحوث جادّة، لعل منها -إضافة إلى موضوع بحثنا هذا: مصادر الغلوّ في العقيدة، مصادر الغلوّ في التشريع، ظاهرة رفض الآخر وانعدام التسامح، ظاهرة تخلف الأمّة وعوامل البناء وأسباب الهدم، العالميّة بين الإسلام والغرب، ختم النبوة، دلالاته وانعكاساته، كيف نفهم العلاقة بين الله والإنسان والكون، كيف نجرّد العقيدة من الإسقاطات التاريخيّة والاجتماعيّة على مفهوم الألوهيّة، كيف نفهم الفروق بين المقادير والصيرورة والسنن الإلهيّة والكونيّة، خصائص الشريعة وكيف نفهمها ونجعل منها محدِّدات منهاجيّة والتعارف بين البشر ثم التآلف ثم التعاون ومواقف الأديان من ذلك وآثارها فيه، إلى غير ذلك من موضوعات هامَّة تجعل فقهاء العصر قادرين على مواجهة التحديّات بإذن الله.
الثوابت والمتغيِّرات:
لا شك أن لكل أمة من الأمم مجموعة من الثوابت تحرص على المحافظة عليها وتحاول أن تحوطها بسياج من الضمانات ووسائل الحماية لئلا تُمسَّ أو تُغيَّر أو تُبدَّل أو تُحرَّف أو تُسخَّف أو يُستخفَّ بها. ولعل أهم ثابت مشترك تشترك الأمم كلها في الاعتراف به باعتباره ثابتًا، وتحيطه بوسائل المحافظة، هو هُويَّة الأمَّة ومقوِّمات تلك الهُويَّة. فَهُوِيَّة الأُمة هي كينونتها التي لا تستطيع التخلي عنها، أو التسامح في أي جانب من جوانبها، أو أيّ جزء من مقوّماتها، وقد تختلف هُوِيّات الأمم في عناصرها ومقوّماتها، فما تعتبره أمة من الأمم جزءًا من هُوِيَّتها قد لا تعتبره أمة أخرى كذلك. لكن القدر المشترك بين الأمم -كلّها- هو ضرورة احترام هُويَّة الأمة، والمحافظة عليها بكل مقوّماتها وعناصرها. وكلّ الأمم ترى واجبًا عليها بذل الغالي والنفيس، وإرخاص المهج والأرواج في سبيل المحافظة على هُوِيَّتها وسائر مقوّمات تلك الهُوِيَّة.

ومما لامراء فيه أن معظم الأمم -قبل عصرنا هذا- اعتبرت أديانها أهم مقوِّمات هُويتَّها، ومنها أمم وثنيّة، كالرومان، قبل تبنِّى المسيحيَّة وبعدها، والبابليّين، وغيرهم، ناهيك عن تلك الأمم التي ارتبط وجودها وبناؤها، وتشكلت هُوِيّتها بتبنّي دين من الأديان والانتماء إليه. ومن هنا فإنّ الفقهاء المسلمين لم يبعدوا حين عدّوا الدين واحدًا من الضروريّات الإنسانيّة الخمس، واعتبروه علة لتشريعات كثيرة مهمة وضعوا في مقدّمتها الجهاد باعتباره وسيلة دفاع وحماية للدين على المستوى الأمّتي.

"وحد الردّة" عند بعضهم يكون على المستوى الجماعيّ والفرديّ، حيث هو معلَّل بحماية الدين من الكائدين له أو المتلاعبين به والراغبين في الخروج عليه والارتداد عنه. ولم ير الفقهاء المسلمون وهم يقرّرون هذا أيّ تعارض بين ما يعترفون به جميعًا من حرية التديُّن والاعتقاد وأنّه لا إكراه في الدين، وبين تأكيدهم على الإجماع على شرعيّة هذا الحد. وطيلة الفترات المختلفة لواقعنا التاريخيّ كانت هذه النظرة هي السائدة بحيث لم تحظ آراء فقهاء كبارٍ مخالفين للأغلبيّة الساحقة أو للجمهور ولهم وزنهم، من أمثال عمر بن الخطاب من الصحابة (استشهد 23 هـ- 644م) وإبراهيم النخعي (ت:196هـ) وسفيان الثوري (ت:161هـ) وأسماء لامعة أخرى، لم تحظ آراء هؤلاء بالشهرة والرواج الكثير، مما يسَّر على جمهرة نقلة الفقه إشاعة دعوى الإجماع على هذا الحكم الذي تبنّته جمهرة الفقهاء، وهو إجبار المرتد بالقوة على العودة إلى الإسلام، أو قتله إذا أصرّ على عدم الرجوع إلى الإسلام، وذلك حماية للدين من أيّة محاولة للاستهانة به، أو تجاوزه باعتباره مصدر تكوين الأمّة وأساس شرعيّة الدولة. كما أنّه مصدر العقيدة والشريعة ونظُم الحياة -كلها- في الأمة المسلمة ودولة المسلمين، ولا غرابة بعد ذلك في أن يستقر هذا الحكم باعتباره واحدًا من الحدود الشرعيّة الثابتة والمجمع أو المتفق عليها في العقول والقلوب والسوابق القضائيَّة، بحيث يصبح أمر مناقشته مستبعدًا وغير وارد لدى الكثيرين. إذ كيف يناقش ما هو موضع إجماع!؟

ولولا تحديات الحضارة المعاصرة، التي جعلت النقد والمراجعة خطوات منهجيّة لها صلاحيّةٌ مطلقة في تناول أيّ شيء بالنقد والتحليل، لما فتح ملف الحديث في هذا الموضوع في عصرنا هذا. لقد فتح هذا الملف أئمةُ الإصلاحيّين: الأفغانيّ ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم، باعتباره قضيّة تتناقض مع حريّة الاعتقاد والتديّن وحريّة التعبير، وتتضارب مع حقوق الإنسان في اختيار عقيدته ودينه والتعبير عنه دون إكراه. وقيل للإصلاحيّين: إنّ في الإسلام إكراهًا ما دام يرى وجوب إكراه من يرتد عن الإسلام على العودة إليه أو يُقتل، وأن فيه إهدارًا لحريّة الاعتقاد، وحريّة الإنسان في التعبير عما يراه. وتعدّدت إجابات الإصلاحيّين، بل واعتذارات بعضهم، وكتبَ الأفغاني كتابه المشهور "الرد على الدهريّين" ليؤكد على ضرورة سلوك سبيل القرآن في مجادلة المخالفين ومحاورتهم، ومقارعة الشُّبه أو الأمارات التي يثيرونها بالبراهين والأدلة والحجج الإسلاميّة.

ولم يحسم الأمر، وبقي موضع جدل تعلو الأصوات به كلما برز من يذكّرون به أو يشيرون إليه. وهمس بعض العلماء المعاصرين بآرائهم المخالفة لما عليه الجمهور من دعوى الإجماع على "حد الردة" وما استدلوا به لجعل هذا الموضوع محسومًا والقول به من المسلّمات. وجرى تناقل تشكيكهم في مقولة أن هذا الحكم كان مجُمعًا عليه. نُقل هذا الهمس عن الشيخ شلتوت (ت:1963) ثم تبعه الشيخ محمد أبو زهرة (ت:1974) ونقل عن غيرهما، ولكن لم ترتفع أصواتهم بإعلان هذا الرأي بل آثروا أن يلتزموا جانب الصمت أو الهمس وترديد ما كان يردده المتقدّمون "إنّ في هذا الصدر أمورًا لو بحتُ بها لحدث كذا ولوقع كذا"، وبقي الملف مفتوحًا مغلقًا. ثم وقعت حادثة إعدام محمود محمد طه في السودان في 1985، وذلك حين أعلن رئيس السودان -آنذاك- جعفر نميري -بعد أن أفلس سياسيّاً- تطبيق أحكام الشريعة الإسلاميّة، وكان الدكتور حسن الترابي يشغل منصب النائب العام، وله في الردة رأي معلن بين أصحابه لم يصرح به علنًا للجمهور في تلك الفترة. لكنّه كان متداولاً بين تلامذته وأنصاره وأصدقائه. وأصدرت المحكمة السودانيّة برئاسة القاضي الكباشي حكمًا بقتل الرجل ذي التسعة والسبعين عامًا، وتم قتله دون اعتراض.

وحين قَتَل فيصل بن مساعد عمَّه الملك فيصل -طيب الله ثراه- (استشهد سنة 1974)، صدر الحكم بقتل فيصل بن مساعد بالسيف حدًا بتهمة الردّة، والرجل كان قد أقرّ واعترف بارتكاب جريمة القتل العمد وهي كافية شرعًا لإعدامه، ولم يكن العلماء والقضاة في حاجة إلى تهمة أخرى لقتله ولكن ورد ذكر ردته في حيثيَّات الحكم. ولم يكن هناك جدل كبير حول قضيَّة ردته آنذاك، وهل اعتبرت جرمًا معضّدًا لجريمة القتل، أو جرمًا أساسيًّا، والقتل معضِّد لم يشر حكم المحكمة إلى ذلك فيما أعلم.

ثم جاءت قضية سلمان رشدي وصدرت الفتاوى المختلفة حوله، ومنها فتوى الإمام الخميني (ت:1989) المشهورة بإهدار دمه، والنقاش الذي أثارته. وهنا دخلت المسألة مستوى عالميًا، فالغرب -كلُّه- قد أخذ يتحدث عن حقوق الإنسان المهدورة في الإسلام، والمضاعة بين المسلمين، ومنها حق الإنسان في التعبير والاعتقاد والتديُّن. واعتُبَِر الإسلام معتديًا على أعلى قيم الغرب المعاصر، وهي قيمة الحرية. وكثير من الفتاوى والكتب التي صدرت قد أعادت إلى الأذهان معظم أقوال الفقهاء والحجج والأدلة التي استدلوا بها على وجوب قتل المرتد، حدًَّا شرعيًّا واجب النفاذ. ولم نلحظ مراجعات فقهيّة جادّة لأقوال الفقهاء أو أدلّتهم؛ بل قام أهل التراث بالدفاع عن تلك الأقوال وتقعيدها، وتأويل بعضها على استحياء، والتأكيد على أنّ الأخذ بها والسير بمقتضاها لا يتنافى وحريّة العقيدة وحقوق الإنسان. أما أهل الحداثة فقد كرّروا ما تقوله دوائر الفكر الغربيّ في هذا الموضوع من حرية الرأي والتعبير والتديُّن، ورفع بعضهم شعار نعم لحريّة الفكر، ولا لحرية الكفر وبقي الغرب غربًا، والشرق شرقًا -كما يقولون- وأنفقت بريطانيا، على تدهور اقتصادها وفقرها، عشرات الملايين لحراسة سلمان رشدي من المسلمين، الذي جعلت منه الفتوى وشروحها رمزًا عالميًا للحريّة، في حين أنّه لم يكن سوى أجير رخيص جعل من كتابه وسيلة اشتهار وبالون اختبار.

ثم جاءت قضية اغتيال فرج فودة الذي قام بها بعض شباب الجماعات الإسلامية في مصر، واستدعى محاميهم أكثر علماء المسلمين في ذلك الوقت اعتدالاً وهو الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- (ت:1996) فلم يجد بدًا من تقرير مذاهب الفقهاء في هذا الموضوع وهو وجوب قتل المرتد، واعتبر فرج فودة مرتدًا يستحق القتل وأنّ كل ما فعله هؤلاء الشباب هو تنفيذ حكم الشرع في إنسان مُهدَر الدم لا حرمة لدمه ولا قيمة. ولكن كان ينبغي على الدولة أن تريق دمه بنفسها أو بأجهزتها، وإذ لم تفعل فقد افتأت هؤلاء الشباب على الدولة ونفذوا ما كان ينبغي لها أن تنفذه بنفسها. وقامت ضجة كبيرة لم تهدأ في مصر.

وظل النقاش مستعرًا بين بعض العلماء وبين فصائل أخرى من محامين وحقوقيّين وصحفيّين وسواهم من اللّيبراليّين، وانقسمت النخبة المتعلّمة في مصر انقسامًا لم تشهد مثله من قبل. وقد بلغت الوثائق المنشورة والمتداولة في مناقشة هذا الموضوع على مستوى الصحافة حوالى تسعة مجلدات كبار. ولم يغلق الباب ولم يحسم الجدل، ولم تكد تنتهي هذه القضية حتى برزت قضية د. نصر حامد أبو زيد، الذي اتهم بالردة وأقام أحد الأشخاص عليه دعوى حسبة طالبًا فيها التفريق بين الرجل وزوجته ومعاملته باعتباره مرتدًا. وفُتح الملف مرة أخرى، وتبادل الناس الجدل والحجج والسجال لتبلغ الوثائق المنشورة في الجدل حول هذه القضية حوالى خمسة مجلدات كبار، إضافة إلى كتب المتهم نفسه وأهمها التفكير في زمن التكفير ناهيك عن الأحاديث الإذاعيّة والجدل التليفزيونيّ.

وتحول د. أبو زيد إلى رمز آخر من رموز الحريّة، وتكاثرت عليه عروض الجامعات الأوروبيّة والأمريكيّة للعمل فيها، وأصبح هو ومحمد أركون مستشارين لأهم عمل موسوعي غربي يتصل بالقرآن الكريم تشرف عليه جامعة ليدن.

وقبل أن يجفّ مداد قضية أبو زيد فُتحت قضية د. حسن حنفي ووجهت إليه التهمة نفسها. ويبدو أنّ الأزهر وبعض الجهات الأخرى رأت من الحكمة احتواء القضية وعدم إعطائها فرصة للتعاظم، فخففت بعد فترة من الهجوم عليه، ومنحته شرف إعلان نسبته إلى الإسلام. ولكن لم تتوقف الأمم المتحدة ولا الهيئات التابعة لها ولا أجهزة النظام العالمي الجديد عن مهاجمة الإسلام ورميه بأنه من أشد الأديان عداءً للحريّة ولحقوق الإنسان، والدليل: أنّه لا يزال يتبنّى مفهوم الردة ويعاقب عليها بالقتل! فكيف يمكن معالجة هذه الإشكاليّة التي لا تزال قائمة، والتي صارت من وسائل مهاجمة الإسلام، وصد الناس عنه.

وفي عام 2002 شُغلت مصر بقضية د. نوال السعداوي ودعوى الحسبة للتفريق بينها وبين زوجها، وذلك إثر تصريحات نشرتها إحدى المجلات لها حملت شيئًا من السخريَّة ببعض الأحكام الفقهيّة؛ وأقيمت عليها دعوى حسبة للتفريق بينها وبين زوجها. (ولنا على دعوى الحسبة في قضايا كهذه ملاحظة سنوردها في المبحث الخاص بموقف الفقهاء من التحري والتحقُّق لإثبات الارتداد).

وأذكر للدكتورة نوال موقفين: الأول في المغرب، والثاني في أمريكا خلال لقاء علمي انعقد في العاصمة الأمريكية واشنطن في عام 1994 بدعوة من مؤسسة MESA. وأكتفي ههنا بذكر موقفها في أمريكا حين انتصرت للإسلام ودافعت عنه أمام مئات الأساتذة المتخصصين في دراسات الشرق الأوسط، وقالت: إنكم معشر الأساتذة الغربيّين تحرّضوننا للخروج على ديننا، والتمرد على ثقافتنا وحضارتنا، وتزعمون أن الإسلام يعادي المرأة وحقوقها، وقد اطلعت على أمور كثيرة لديكم من التمييز والتفرقة والنظرة الدونيّة للشعوب الأخرى، وهو ما لا يمكن أن نجد له مثيلاً في ديننا ولا في ثقافتنا ولا في تقاليدنا. ولقد أبكاني ما قالته في حينه. ولعل هذا الموقف يشفع لها عند الله -تعالى- إن استطاعت التشبُّث بإيمانها والالتزام بدينها رغم الزوابع.

لا شك أن هناك مرتدّين، ولا ريب أن هناك مسلمين اختاروا التنصُّل من الإسلام، والإسلام ينفي خبثه. ولكن كم ساءلت نفسي لو أن هذا الحد كان مطبقًا عبر فترات التاريخ بشكل كامل ودقيق هل كانت الردة تتوقف؟ وهل كانت مجتمعات المسلمين اليوم خالية من أولئك الذين تبنَّوا تيارات فكريّة إلحاديّة ونحوها، وتجاهلوا هُوِيتَّهم الإسلاميّة وعقائدهم الإسلاميّة؟ وحين نغيّر السؤال ونقول: إنّه لو كان حد الردة قائمًا مطبقًا في بلاد المسلمين كلّها هل كان هؤلاء الذين أمضوا فترات مهمة من حياتهم باعتبارهم ماركسيّين لينينيّين أو علمانيّين لا دينيّين أو عبثيّين أو عدميّين أو وجوديّين ثم عادوا من أنفسهم ودون تدخل قضائيّ ليكتشفوا هُوِيّتهم، ويتبنَّوا من جديد نهج الإسلام، هل كان هؤلاء اليوم أحياءً يمارسون ما يمارسون في الدفاع عن الإسلام وتزكية تراثه، والذود عن مبادئه وتجلية أنواره؟

هنا وجدت نفسي مسوقًا لدراسة هذا الحد، أو هذه العقوبة، ومحاولة الوصول فيها أو بها إلى فهم دقيق علّه يجلي جوانبها، ويكشف خلفيّاتها، ومختلف أبعادها، خاصّة وأنّ المبدأ الإسلامي العام الذي جاء به القرآن الكريم هو حرية الاعتقاد وحرية التديُّن وأنه لا إكراه في الدين. وقد رأيت أن مراجعة هذا الموضوع مراجعة شرعيّة شاملة تشفي الغليل أمر في غاية الأهميّة، حتى لو لم نخرج من هذه الدراسة إلا بتأكيد هذا الحكم، وضرورة العض عليه بالنواجذ، فلا مانع إذا جاءت هذه النتيجة بعد البحث الصحيح الشامل المستقري لكتاب الله وسنة رسول الله r وآنذاك فنحن مؤمنون أولاً وآخرًا، ولا نجد حرجًا في التسليم في أيّ حكم من أحكام الله -تعالى- جاء به الوحي إلى رسول الله r.

ونحمد الله -تعالى- ونشكره على أن البحث بعد أن أخذ مداه واستعملنا فيه منهجيّة القرآن المعرفيّة الهادية لأقوم السبل، قد أوصل إلى نتائج غاية في الأهميّة. وقد بذلنا فيه جهدنا وأعطيناه من الوقت والجهد والعناية والتدبّر والتأمّل والجهد والاجتهاد ما يستحق، ولكنّ جهدنا-بعد ذلك وقبله- جهد بشريّ، والجهد البشريّ -أيًًّا كان- مظنّة النقص والقصور، فمن وجد فيه خيرًا فليحمد الله وليدع لنا بظهر الغيب فنحن أحوج الناس إلى دعوة صالحة، ومن وجد غير ذلك فليستغفر الله لنا، ويُهدي إلينا عيوبنا، فما أردنا إلا الإصلاح ما استطعنا وما التوفيق إلا من عند الله العزيز الحميد.

مفهوم الحد بين القرآن الكريم والفقه:
لقد آثرنا استعمال مفهوم "الحد" جريًا على عادة الفقهاء، وتأثّرًاً بصنيعهم، واستعمال مصطلح "عقوبة" أو نحوه هو المتعيّن عندي؛ ذلك أن المراد بالحد في كتاب الله -شرائع الله وأحكامه، وليس العقاب. وإذا كان العرب قد استعملوا هذه المادة اللغويّة "حد" بمعنى الحاجز يين الشيئين، المانع من اختلاط أحدهما بالآخر، فذلك لسانهم واصطلاحهم. أما القرآن فله لسانه، وله لغته. وقد بيّنا المراد بلسان القرآن وخصائص ذلك اللّسان، وما يتفق فيه ويختلف مع اللسان العربيّ بعامّة في دراستنا "لسان القرآن وعربيّته" والذي غلب على استعمالات الفقهاء والأصوليّين لسانُ العرب ولغاتهم، لا لسان القرآن. ومن الأمثلة البارزة على هذا كلمة "حد" مفردة ومجموعة، فقد جاءت هذه الكلمة في كتاب الله في أربع عشرة آية. منها اثنتان وردت فيهما بمعنى "شرع الله وأوامره" أحدهما في سورة البقرة: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُــونَ﴾ [البقرة:187] وظاهر أن المراد بحدود الله تشريعاته سبحانه في الصيام والفطر، وما يباح في الصيام وما يمنع.
ووردت تسع مرات في تشريعات الله -تعالى- في النكاح والطلاق -في السورة نفسها وغيرها- : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:229] وقوله تعالى:﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَـوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:230].
وجاءت مرتين في الآية الأولى من سورة الطلاق:﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:1].
ووردت مرتين في تشريعات الميراث. قال جل شأنه:﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (14) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء:13-14].
وجاءت في آية كفارة الظّهار مرة واحدة: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة:4].
ووردت في سورة التوبة مرتين بالمعنى ذاته، قال تعالى:﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:97] وقال سبحانه: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:112].
فهذه جميع الآيات التي وردت فيها كلمة "حدود" لم تطلق في أي منها على عقوبة، لا مقدّرة ولا تعزيريّة، وفي كلّها جاءت تأكيدًا على ضرورة الالتزام بتشريعات الله وأحكامه. وجاءت تعقيبًا على أحكام وتشريعات إلهيّة قد يتهاون البشر في الالتزام بها، لأنّها في أمور هي ميادين شهوات واختلافٍ ومظانّ تنازعٍ، فالحافظ الوحيد للناس والعاصم لهم من الوقوع في التجاوزات وإضاعة الحقوق والسقوط في درك المنازعات هو الالتزام بأحكام الله وشرائعه فيها.
وأحكام الله وشرائعه على أنواع: نوع لا يزاد عليه ولا ينقص، كأعداد ركعات الصلوات المفروضة، فحدودها هي الوقوف عندما شرعه الله دون زيادة ولا نقصان. وكذلك مواقيت الصيام والفطر.
ونوع لا يقبل النقصان فيه، ولا تمنع الزيادة عليه، مثل الزكاة.
ونوع لا تجوز الزيادة عليه ويجوز فيه النقصان، ومنه النكاح فلا تقبل الزيادة فيه عن أربع، ويجوز الاقتصار على أقل من ذلك.
ونوع تجوز فيه الزيادة والنقصان مثل السنن والنوافل في الصيام والصلاة وصدقة التطوع.
وهناك شرائع يقوم بها الفرد، وشرائع تقوم بها الجماعة أو الأمّة، وكلها يمكن تصنيفها إلى هذه الأصناف التي ذكرنا.
الفقهاء ومصطلحهم في "الحدود"
بعد أن تبيّن لنا المراد بمفهوم حد أو حدود في لسان القرآن، وأن المراد به حتماً شرائع الله وأحكامه مطلقاً، مع تركيز على تشريعات الأسرة حيث إن إحدى عشرة آية من الآيات الأربع عشرة جاءت في معرض التأكيد على الالتزام بشرائع الله وأحكامه في قضايا الأسرة -كلها- فإن لنا أن نتساءل: كيف نقل الفقهاء هذا المفهوم القرآني ليصبح معناه عندهم منحصراً في النظام العقابيّ؟

"الحد" هو -في اللّغة- المنع، ومنه سميّ كل من البواب والسجّان "حدّاداً" الأول لأنّه يمنع من الدخول، والثاني لأنّه يمنع من الخروج. وفي ذلك نظر ولا شك. قالوا: وسمّى المعرّف للماهيّة حداً لمنعه من الدخول والخروج. وحدود الله-تعالى- هي محارمه. لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ وهي التي تقدمت تعقيباً على مسائل الصيام.
قالوا: "والحدُّ في الاصطلاح: عقوبة مقدّرة وجبت حقّا للّه -تعالى- وعرّفه الشّافعيّة والحنابلة بأنّه عقوبة مقدّرة على ذنب وجبت حقّا للّه -تعالى- كما في الزّنى، أو اجتمع فيها حقّ اللّه وحقّ العبد كالقذف، فليس منه التّعزير لعدم تقديره، ولا القصاص لأنّه حقّ خالص لآدميّ. وعند بعض الفقهاء: هو عقوبة مقدّرة بتقدير الشّارع، فيدخل القصاص".
قلت : وعلى هذا فكل ما جاء في القرآن الكريم قد تم إخراجه من دائرة هذا المفهوم القرآنيّ، وتمت عمليّة استلاب مكشوف للمفهوم -كلِّه- ليكون محصوراً -عندهم- في العقوبات المقدَّرة، وذلك أمر لا يقضى منه العجب.
إن العقوبات التي ذكرها القرآن المجيد في السرقة والزنا والقذف لم يطلق على أي منها في القرآن، مع كونها مقدَّرة، مصطلح "حدّ" فلماذا يخالَف القرآن المجيد في لسانه؟ إذا قالوا: "لا مشاحة في الاصطلاح" فلا يكون ذلك مع القرآن الذي لا تجوز فيه المشاقة ولا تقبل المخالفة فما الدافع لهذه المخالفة المكشوفة؟
ربّما يكون الدافع بارزاً في أن السلطان ينظر إلى النظام العقابيّ على أنّه أهم وسيلة لفرض الهيبة، وإبراز قوة السلطة، وتحقيق هدفه بفرض وإعلاء وسائل الزجر والردع لتحقيق أمن السلطة. وأخطر الأنظمة العقابيّة هو النظام الذي يمكن أن ينسب إلى الله -تعالى- لأنّه عبر هذا النوع من الأنظمة العقابيّة يحصد السلطان كل ما يمكن أن يحققه لنظامه من فوائد، وينسب كل ما يمكن أن يترتب عليه من سلبيّات إلى الله -تعالى- مع أن أيّة سلبيّات قد يراها الناس إنّما هي سلبيّات ناجمة عن سوء التطبيق أو الانحراف به. لا عن حكم الله نفسه.
ولذلك كان العلماء الربانيّون، مثل الإمام مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد والحسن البصري وسفيان الثوري، وغيرهم، كثيراً ما ينتقدون طرائق الحكام في التعسّف في النظام العقابيّ والانحراف به، نجد ذلك شائعاً في مواعظهم ونصائحهم للحكام بشكل مباشر، وكذلك في رسائلهم ودروسهم وفقههم. وقد عرفت أدبيّاتنا فيما عرفته رسائل أهل العدل والتوحيد إلى بعض الحاكمين يلومونهم على سوء استعمالهم للنظام العقابيّ، والتعسّف في تطبيقه. ولقد رأينا في عصرنا هذا كيف اختزل بعض حملة ما يعرف بالإسلام السياسيّ الإسلام -كلّه- والشريعة الإسلاميّة -كلّها- في ذلك النظام، فنجد الكثيرين من هؤلاء يرفعون شعار تطبيق الشريعة ولا يريدون بالشريعة إلا العقوبات. ورأينا كيف تُسارع بعض الأنظمة في تطبيق بعض العقوبات لتثبت صلابتها في الدين وتمسّكها بالشريعة، وقد لا يكون لها نصيب من الشريعة أكثر من تلك العقوبات.
كما أن رفع هذا النوع من الشعارات من أكثر الوسائل فاعليّة في خداع الأمّة المؤمنة وعامتها بصفة خاصّة، وتذكيرها بأمجاد التاريخ الإسلامي حين كان الإسلام سائداً. وحين تسقط الآيات التي حذرت من تعدي حدود الله على تلك العقوبات المحدودة فإنّها من أيسر الوسائل لاستقطاب الجماهير المؤمنة وراء المنادين بذلك، وقيادتها ضد الأنظمة المطلوب اقتلاعها للحلول محلها، وحين يتم لهم ذلك فقد يطبقون عقوبة أو اثنتين، ثم تبدأ العقلانية والبراكَماتيّة والرغبة في البقاء في السلطة تبرز وتشتد وتقوى ليتعلّل الحكام الجدد بمثل ما كان يتعلّل به أولئك الذين أطاحوا بهم. ولله في خلقه شئون.
لعلنا في هذا قد أوضحنا لقرائنا الكرام بعض الفروق بين نقاء الدين وصفائه، وانحرافات التديّن الإنسانيّ في فهم الدين، واستلاب مفاهيمه، وتفريغها من مضامينها الشرعيّة، وإعطائها معاني أخرى، وأن التحريف غير قاصر على تحريف النصوص والألفاظ، فذلك بيّن، ولكن الأخطر منه تحريف المعاني والإغراق في التأويلات.
رد الفعل المنتظر
أدرك مقدمًا أن بعض الناس لن يرضيهم ما سيرد في هذه الدراسة، وإنّني لا أخشى العلماء ولا طلاب العلم أن يغضبهم بعض ما سيأتي فيها، فهؤلاء سواء وافقوا عليه أم لم يوافقوا سيحجزهم علمهم، ومعرفتهم بآداب العالم والمتعلم وقواعد وآداب الاختلاف، أن يجازفوا في الأقوال أو يتهموا النوايا، لكنَّني أخشى أولئك المقلِّدة -أصحاب عقليّة العوام كما سماهم الجاحظ- فهؤلاء سوف تنتفخ أوداجهم مما قلت أو كتبت، وستتحرك عقليّة العوام فيهم بعد بيات طويل، وستقود القطيع إلى مهاجمة الكاتب، وربما رميه ورمي من معه بشتى التهم ومختلف الجهالات والأباطيل، فأصحاب عقليّة العوام "قد استغنوا عن التدبُّر، وكفوا مؤونة البحث لقلة اعتبارهم". فقد سبقت إلى أسماعهم أخبار وأقوال شاعت بينهم، واستقرت في عقولهم وقلوبهم بعد أن وطّأ التقليد من تلك العقول والقلوب أكنافها، وجعل دخول الخرافة والأباطيل إليها سهلاً يسيراً، ودخول الحق القائم على الدليل والتعليل والنظر صعباً عسيراً. فالعقول التي مردت على التقليد قروناً عقول عوام لا تعرف إلا التلقي السلبيّ المستسلم للشائع، والموروث عن الآباء. في حين أنّ القرآن المجيد علّم الناس كيف يطلبون الدليل، ولا يقبلون شيئاً بدون برهان ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:111]، ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:148].

إن الله -سبحانه وتعالى- علَّل إرسال الرسل بأن لا تكون للناس على الله حجة، فقال سبحانه: ﴿رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:165] وحين يقول الخالق العظيم هذا، فذلك يعني أنه -سبحانه- أودع في الإنسان قابليّة الاحتجاج، وفطرة طلب الدليل والبرهان، وأذن له أن يطلب ذلك منه -تبارك وتعالى- قبل غيره، ثم من رسله وأنبيائه، فما بالك بغيرهم، ولكن أنصاف المتعلمين وأشباه طلبة العلم والعامة لا يملكون إلا التقليد والمتابعة بعقل معطَّل أو ملغيٍّ ونفس ساكنة؛ ولذلك عرف دعاة الباطل والطغاة كيف يستخفّونهم فيطيعونهم، وينصرونهم في باطلهم، ويحاصرون بهم المصلحين ودعاة الحق.














الفصـل الثاني
فـي المقدّمـات التـي أدّت إلى
القـول"بحـدّ الـردّة"
القرآن سبيل التجديد ومضمونه
أتذكّر -الآن- وأنا أقدم هذه الدراسة- أنني حين كنت طالب علم مبتدئاً كان شيخنا عبد العزيز السامرائي -تغمده الله برحمته- يردد على مسامعنا الحديث القائل "يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدماء الشهداء" وكنت في تلك الفترة سعيداً جدًا بالاستماع لهذا الحديث وأمثاله نحو قوله r "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة" إلى أحاديث أخرى كثيرة كان الشيخ يرددها علينا كثيراً ترغيباً في طلب العلم. وكان ترغيباً شديداً في تلك المرحلة من العمر، وكنت أتساءل في بعض الأحيان: كيف يوزن مداد العلماء بدم الشهداء وهم جالسون في مدارسهم ومساجدهم يتدارسون العلم بهدوء، وقد تجري عليهم بعض الأوقاف، ويحصلون على مزايا مختلفة، فأين هذه الحياة الهنيّة بين الكتاب والقلم والكاغد من حياة مجاهد يتقحم المهالك فيَقتل ويُقتل؟

وكبرت وما انقطع تساؤلي هذا!! لكنّني بعد أن جاوزت الخمسين من عمري بدأت أتبيّن معالم الجواب عن ذلك التساؤل: فقد بدأت مرحلة مجاهدة الناس بالقرآن المجيد من خلال برنامج أسلمة المعرفة وبدأ البرنامج المذكور يفرض علينا النظر في كليّات الإسلام ومقاصد شريعته، وغايات منهاجه وخصائص رسالته، أكثر من النظر في جزئيّات الفقه، وتفاصيل المعارف النقليّة؛ كما بدأت معها مرحلة التأمّل في وضع أمّتنا المسلمة المخرجة للناس نموذجاً ومثالاً، والتحدّيات التي تواجهها من تراثها وواقعها التاريخيّ، وتراث الناس اليوم وواقعهم الراهن، وتكونت لديّ رؤية معرفيّة ومنهجيّة حول كثير من هذه الأمور التي واجهتها في أشكال مختلفة، بعضها في شكل تحديات وبعضها الآخر في شكل أسئلة. ثم بدأت مرحلة البحث عن مخرج من هذه الأزمات، ومنقذ من هذه الفتن، لا على مستوى التعبّد الشخصي والرغبة في تحقيق نوع من الخلاص الفرديّ بسلوك طريق يوصلني -فردًا- إلى الجنة بلطفه تعالى وفضله، بل على مستوى إخراج الأمة المخرجة إلى الناس نموذجاً ومثالاً ووسطاً من أزماتها وواقعها السيء، مع قناعة بأنّ أول خطوة في طريق الإصلاح وإخراج هذه الأمة من أزماتها هي خطوة فكريّة لابد منها لإصلاح مناهج التفكير لدى هذه الأمة التي اغتالت قدراتها وطاقاتها مجموعةٌ من الأفكار السامّة والمميتة: منها الجبريّة والتواكل، وعدم فهم وظائف الأسباب، والعجز عن إدراك طبائع السنن الإلهيّة، وغيرها؛ وتضافرت مع تلك الأفكار السامَّة المميتة أفكار ميتة بطبيعتها لا يمكن أن تشكل دافعيّة حضاريّة، كما لا يمكن أن تبني فاعليّة أو تساعد على تحقيق شهود حضاريّ في أي مستوى من المستويات؛ بل إنّها كفيلة بالقضاء على ما قد يكون موجوداً من ذلك.
في إطار البحث عن جذور تلك الأفكار السامة المميتة والأفكار الميتة والمريضة اتصلت بي السبل مع مجموعة هائلة من التراكمات المعرفيّة التي حفل تراثنا النقليّ والعقليّ بها؛ وبدأت تتضح لي رؤية في مسائل كثيرة قد قال فيها بعض الأولين أقوالهم وظنّوا أنّهم قد فرغوا منها، ونفضوا أيديهم من تفاصيلها، وأصبح اللاحقون يتناقلونها، وقد لا يبذلون جهدًا إلا في تحقيقها وتصحيحها وإشاعتها وتناقلها، وشعارهم في ذلك "ما ترك السالف للخالف شيئاً" والإسلام يتحمل تبعاتها ويدفع الثمن غالياً بتمرُّد كثير من أبنائه عليه، وتجاوزه إلى غيره من متهافت الأفكار وبقايا الأيديولوجيات وفضلات المبادئ.

بالمنهج العلميّ لا بالتأويلات والتعديلات الجزئيَّة يتحقق التجديد
قد سبق لي أن كتبت مقدمة ضافية لكتاب الصديق الأستاذ راشد الغنوشي في "حقوق المواطنة" حاولت أن أبين فيها أن الجوانب المختلفة للمشروع العمراني الإسلامي المعاصر ستظل تتردد بين مأزق وآخر حتى تتبّين لقادة الرأي من المسلمين جملة من القضايا المهمة والخطيرة التي حفل بها تراثنا، وتتم تنقيته بعد ذلك منها. وأنه لن تغني عن قيادات هذا المشروع تلك الاجتهادات الجزئيّة في المسائل والقضايا التي يعارضهم خصومهم بها، أو يثيرونها في وجوههم، ولا حلول المقاربات والمقارنات والتأويلات التوفيقيّة.
فلن يخدم الإسلام كثيرًا أن يجتهد من يجتهد لينتهي إلى التنازل عن مذاهب فقهاء الجمهور التي تقسم المواطنين في دار الإسلام إلى: مسلمين يعيشون في دار الإسلام بأمان الإسلام وذميّين يعيشون في ديار الإسلام بأمان المسلمين، ليأخذ بمفهوم المواطنة المعاصر بكل ما قد يستدعيه من قضايا معاصرة وذلك لإفساح المجال أمام العقل المسلم ليتبنَّى مفهوم المواطنة الذي ولد في إطار الدولة القومّيّة الغربيَّة الحديثة وصدّره الغرب جاهزًا إلينا، وبدأ يفرض نفسه علينا، وصرنا نشرعِنُ له.

ولن يعالج مشاكل الأمة المستعصية أن يجتهد من يجتهد ليأخذ بمفهوم الديمقراطيّة بكل تداعياتها وبجذورها اللّيبراليّة -أيضًا- دون تصحيح لمنظومة الأفكار الموروثة التي أدت إلى تفشي ظاهرة الفرديّة والطغيان والاستبداد في أمتنا، لا في الحاضر فقط، بل في الماضي كذلك، والله أعلم إلى أي مدى سوف تستمر في تدمير أو مصادرة مستقبلنا.

كذلك لن يغني عن المسلمين شيء أن يأخذوا بمفهوم التعدُّدية بكل أنواعها قبل تصحيح تلك المنظومة الفكرية التي أدت إلى ذلك التعصُّب البغيض، والعودة إلى بدائيَّة نفي الآخر التي أنقذنا الإسلام منها، ورفض التعايش مع المخالف أيًا كان حتى لو كان الاختلاف معه في بعض الفروع.

إنّه لم يعد من الممكن معالجة مشاكل المسلمين بالأخذ بأساليب المقاربة أو المقارنة أو التأويل أو التعديل الجزئيّ حتى لو كان ذلك ممكنًا على المستوى النظريّ، فإن هذا النوع من الجهود الجزئيّة لن يؤدي إلى حل مشكلات المسلمين المعاصرة، وإن الاستمرار في هذا الأسلوب سوف يؤدي بأصحاب المشاريع السياسية -من الإسلاميين خاصةً- إلى مآزق قد لا تختلف عن مآزق الآخرين؛ فإنهم إن استمروا في عمليات التعديل الجزئيّ المتتابع في القضايا الفقهيّة الموروثة فسوف يكتشفون أنّهم قد أصبحوا في إطار نظام كبقيّة النظم، وعلاقته بالإسلام قد لا تتجاوز علاقة الاشتراكيّين واللّيبراليّين بالديمقراطيّة والحريّة وبقيّة الشعارات التي يرفعونها في فترات النضال من أجل السلطة، حتى إذا بلغوها أعادوا تفسيرها وقراءتها، وتقييد مطلقها، وتفصيل مجملها، بشكل يسمح لديمقراطيّتهم وحريّتهم بفتح أبواب السجون والمعتقلات على مصاريعها، ومصادرة الحريّات على تعددها، وممارسة كل أنواع الاستلاب والامتهان والاضطهاد والتعذيب للإنسان، كما فعل الشيوعيون والبعثيون، وكثير من دعاة اللّيبراليّة والتقدم عندما حكموا.

والإسلاميون قبل غيرهم مطالبون بأن ينزّهوا أنفسهم، وأن يحتاطوا لئلا يقعوا في مثل هذا النوع من الممارسات. وما كانت غاية الإسلام يومًا أن يسلِّط بعض الناس على بعض، بل غايته أن تتلى على الناس آيات الله ويُعلَّموا الكتاب والحكمة، ليَطَّهروا وتزكو نفوسهم ويُحرَّروا من نزعات الطغيان، ويتجاوزوا نزغات الشيطان، ويكونوا معمِّرين في الأرض، وتتحقّق عبادتهم وعبوديّتهم لله وحده لا شريك له.

ضرورة تجاوز الأمّة أزمتها الفكريّة
إنّ حل هذه المشكلات -حلاً إسلاميًّا جذريًّا- يستدعي خروج المسلمين من أزماتهم الفكريّة الموروثة والمعاصرة، وإعادة بناء وتشكيل العقل المسلم، بحيث يعود عقلاً مبدعًا مجتهدًا برهانيًا كما كان عندما صاغه صاحب الرسالة r بالقرآن المجيد يصدر عنه وإليه يعود، وإلى رسول الله r يَردّ الأمر وإليه يُرجعه.
وحين يتم استمداد مرجعيّة الوحي المقروء، المتعبَّد بتلاوته، المتحدّي بأقصر سورة من سوره، ومرجعيّة النبوة الخاتمة في تبليغه وتعليمه وتطبيقه وتفسيره وبيانه بكل طرق البيان، يستطيع العقل المسلم أن يكتشف خصائص الإسلام العامة ومقاصده العليا الحاكمة، وفي قمّتها ومقدمتها: "التوحيد، التزكية، العمران". ثم تأتي بقية المقاصد الشرعيّة والقيم الإسلاميّة مثل العدل والحريّة والأمانة والمساواة، وتحرير الإنسانيّة وإخراجها من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد -وحده- ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. وكذلك اكتشاف خصائص الإسلام، وصفات أمّته، ومنها:

أولاً: عالميّة الإسلام وكونيّته، وعموم رسالته وشمولها في الإنسان والزمان والمكان، وما تتطلبه هذه العمليّة من شروط، في مقدّمتها السعة والمرونة والانفتاح على سائر الأنساق الحضاريّة والثقافيّة في العالم، والتداخل معها، والتصديق عليها، واستيعابها وتجاوزها إلى الأفضل دائمًا بعد ترقيتها.
ثانيًا: حاكميّة وهيمنة كتاب الله -تعالى- على كل ما عداه، فهو الحكم والمرجع والمصدر المنشئ للأحكام وحده، ولكل تصورات المسلم وأفكاره ومواقفه ومنطلقاته.
ثالثًا: شرعة تخفيف ورحمة، ناسخة لكل ما سبقها من شرائع الإصر والأغلال ومهيمنة عليها.
رابعًا: نبوة خاتمة تمثل رسالات الأنبياء كافّة، وتشتمل على الهدى كلّه، فلم تعد البشريّة بحاجة بعدها إلى نبيٍّ مرسل أو وحي يوحى.
خامسًا: أمّة مخرجة للناس نموذجًا ومثالاً، ومكوَّنة بحيث تكون قادرة على استقطاب البشريّة وقيادتها نحو الهدى والحق.

وهكذا أخرج الله هذه الأمة المسلمة للناس في مبتدأ أمرها بحيث لا تحتاج بعدما ذكر إلا إلى علماء ربانيّين ومجتهدين قادرين، يجدّدون لها فهم دينها، وينزلون آيات ربها على واقعها، أو ينزلون الواقع على قيم الوحي العليا الحاكمة: "التوحيد، التزكية، العمران" مهما كانت متغيّراته التاريخيّة والاجتماعيّة، ويصوِّبون فهمها له بما ينفونه عن حقيقة الدين من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويلات الجاهلين في كل عصر ومصر، ويعرفون كيف يربطون الناس بالكتاب الكريم والسنة المطهرة في كل عصر ومصر، ويردونهم إلى كلّ منهما ردًا جميلاً كلما طال عليهم الأمد وقست منهم القلوب.

بين المطلق والنسبيّ والمصادر التشريعية
لقد خُتمت النبوة ما في ذلك شك عند أيّ مؤمن بالنبوة، عدا القاديانيّة وأولئك الذين لم يعترفوا بخاتم النبيّين وظلوا ينتظرون نبيًا خاتمًا يتمثَّل بالمسيح عند النصارى، والمسايا عند اليهود، وبقي القرآن مطلقًا مستمرًا في إطلاقه مع صيرورة الزمان ومتغيِّرات المكان وتعاقب القرون والأجيال من بني الإنسان؛ ليعطي القرآن الكريم الإسلام آفاقه المتجدّدة بتغاير العصور، مؤصِّلاً لعقيدة الإسلام الثابتة، مبيِّنًا لقواعد شريعته. فهو الدين الإلهيّ الذي أمر الله البشريّة أن تدين به منذ الإيحاء إلى أول نبيٍّ حتى إرسال خاتم النبيّين، ولكن بمفهوم شامل عالميٍّ عام، وبفهم متجدّد دائم التجدّد، ومستمر لكتاب الله -جل شأنه- الخالد المطلق، ولسيرة وسنة رسول الله r التي تمثِّل بمجموعها منهجًا للتلاوة حق التلاوة والاتّباع، ومثالاً للفهم والتأسّي والاقتداء، لا التقليد الحرفيّ السطحيّ. وإنّ الإسلام بقواعده الأخيرة التي اشتمل عليها القرآن هو دين الله الذي لا يقبل الله من أحد من عباده غيرَه، وهذا يقتضي هيمنة القرآن العظيم هيمنة دائمة مستمرة على كل ما عداه؛ إذ لا يمكن لفهم بشريًّ لأهل أيّ عصر من العصور أن يحيط به ويهيمن عليه ويضع مدلولاته في قوالب نهائيّة لا تسمح بأيّ فهم آخر، وإلا لفقد القرآن المجيد الإطلاق وتحول إلى نصٍّ نسبي في زمانه ومكانه، أو تاريخيّته تُمكن الهيمنة [غامض]على معانيه بالتفسير والتأويل الإنسانيّ الخاضع لمتغيِّرات الزمان والمكان والإنسان والحوادث والأعراف والثقافات والتقاليد.

لهذا لم يقيِّد رسول الله r معاني الكتاب المطلق بتفسير نهائيٍّ من عنده، بل مثَّل باتباعه للقرآن وتعليمه للناس وبسنّته وسيرته ما اشتمل عليه الكتاب وأحكامه بشكل يوضح منهجيّة التأسي والاتباع اللَّذين أمر الله الناس بهما، وهذا فيما يتعلق بآيات الأحكام التي لا تتجاوز على أعلى تقدير نسبة واحد من اثني عشر من آيات الكتاب الكريم، أما الباقي فجلُّه آيات مطلقة تستوعب الأزمنة -كلَّها- وكذلك الأمكنة بحيث يستطيع أهل كل عصر أن يستفيدوا من معانيها بما ييسّره الله لهم، من مكنونها الذي يتكشّف فيما إذا تدبروا هذا القرآن الميسَّر للذكر. فالسنّة النبويّة المطهَّرة تمثِّل -في غير جوانب الأحكام والبيان الضروري والمباشر لآيات الكتاب -وبجانبها العمليّ خاصّةً، تطبيقًا يمثّل أعلى مراتب الفهم والتطبيق الدقيق. وفي جانبها التقريريّ، وفي جانبها القوليّ، تمثّل أدق أنواع البيان لآيات الكتاب الكريم بعد بيان القرآن لنفسه، لتقدم السنّة -بمجموعها- منهجية التأسي برسول الله r.
وعلينا أن ندرك الفروق الكبيرة بين التأسّي والاتّباع والاقتداء، والتقليد. فالتأسيّ والاتّباع والاقتداء -كلّها- أمور تقوم على حجيّة الدليل، والعلم به، وفهمه وإدراكه. أما التقليد فهو محاكاة ومتابعة وقبول ذلك دون نظر في دليل.

وكل تراثنا بعد ذلك يندرج أمام إطلاقيّة القرآن في دائرة النسبيّ الذي تحيط به المؤثّرات الزمانيّة والمكانيّة وثقافة المجتهد والمفكّر الخاصّة، وتؤثّر عليه بيئته الاجتماعيَّة والفكريّة، وحين ندرك ذلك إدراكًا موضوعيًا، مع تفهُّمنا في الوقت ذاته لخصائص الرسالة الإسلاميّة الخالدة الخاتمة بعقليّة كليّة قادرة على فهم القيم الحاكمة والمقاصد الشرعيّة والغايات الدينيّة، فإنَّنا -آنذاك- نكون قادرين على اكتشاف الكثير والكثير من مواقع الضعف في تراثنا، بجانب الكثير والكثير من نقاط القوة فيه.

التفسير وعلوم المقاصد والمؤثِّرات الخارجيّة
ففي التفسير يمكن أن نجد الإسرائيليّات كأخطر نقطة ضعف أصابت هذا العلم في بداية تدوينه وتغلغلت فيه وانعكست على كثير من علوم القرآن الكريم التي بقيت متداولة منذ عصر التدوين. وصحيح أنّ أسلافنا قد بذلوا جهودًا جبّارة لمقاومتها، لكنّ بعضها قد تمكن من أن يترك بعض الآثار السلبيّة ولا شك. وفي الحديث يمكن أن نكتشف أحاديث الموضوعات المدسوسة التي فرّقت كلمة الأمّة حول ما أفلت منها من مقاييس وضوابط علماء الحديث الدقيقة في الأسانيد وفي المتون. وفي بعض القواعد الأصوليّة والأحكام الفقهيّة يمكن أن نجد بعض آثار من شرائع الإصر والأغلال التي فرضها الله على من سبقنا وجاء ديننا لنسخها واستبدالها بشرعة التخفيف والرحمة. كل ذلك ليستمر أهل العلم من العلماء الربانيّين في أداء مهامهم، ولتستمر حالة الاستنفار والرصد في أوساط أهل الذكر لئلا يدس على الإسلام ما ليس منه، وليحافظ على نقاء الرسالة وصفائها حتى يظهر الهدى ودين الحق على الدين كلّه، وليتم التفاعل الدائم المستمر بين القرآن والكون والإنسان حتى يصبح الكون -كلُّه- بيتًا آمنًا للناس كافة، وتسود القيم المشتركة من الهدى والحق والأمانة في العالم كلّه.

إنَّ من خصائص هذه الشريعة أن يزدوج فيها العقل والسمع ويصطحب فيها الرأي والشرع فتأخذ من كل منهما. ومن الرجوع إليهما مصطحبين سواء السبيل.[غامض] فالاجتهاد والتجديد والإصلاح ومقاومة البدع ليست بحالات استثنائيّة يرجع إليها عند الحاجة، بل هي حالات أساسيّة خوطبت الأّمّة بها في ذات اللحظة التي خوطبت بها بالوحي. وهذا أمر في غاية الأهميّة لابد من التنبّه له لتجاوز ذلك الخطأ الذي هيمن على عقولنا فترات طويلة، وهو أنّ الاجتهاد إنّما يُلجأ إليه عندما لا يجد الفقيه نصّاً في الكتاب والسنّّة على حكم الواقعة أو النازلة، وهذا نفسه فيه ما فيه، وكأن النظر في السنّة باعتبارها المصدر المبيِّن والموضح والتطبيقيّ لا يحتاج إلى اجتهاد!!

أين مكمن الخطر على فهم الإسلام الآن؟!
المثاقفة أو التثاقف أو التداخل المعرفيّ والثقافيّ كل هذه الأمور-بقطع النظر عن التسميات- أمور من الطبيعيّ حدوثها بين الأمم والشعوب، فالأرض واحدة، جعلها الله بيتاً واسعاً ممتداً للأسرة البشريّة، والأسرة البشريّة واحدة ممتدة كذلك، واختلافات طبائع الأرض ومناخها مثل اختلاف الألسن والألوان في البشر، لتعرف كل مجموعة من البشر ديارها، وتبني فيها من العمران ما يناسب طبيعتها ويلبي احتياجاتها، باعتبارها داراً لتلك المجموعة من البشر لا تمتاز بشيء على غيرها إلا بذلك. وقد منحت القداسة لأرض واضحة المعالم محدودة، لحِكَم قد نعالجها في دراسة أخرى من دراساتنا. وأضفيت صفة التحريم على بقعة مباركة أخرى لحِكَم وأسباب كثيرة -كذلك- لعل منها تقديم نموذج للبشريّة لما ينبغي أن تكون عليه ديارها من أمن وطمأنينة تسمح بإقامة عمران لا يخالطه الفساد في الأرض.
فلا غرابة -بعد ذلك- أن يقع التداخل بين الأفكار والمعارف والثقافات والحضارات في مراحل التاريخ المختلفة. فإقامة الحدود عمليّة وهميّة يقدرها الإنسان ليميّز داره عن دار سواه، وليتمتّع بمشاعر الخصوصيّة، ويلبي نزعة التملُّك، ويرى ثمار جهوده في حيّز محدود، ويدفع الآخرين إلى أن يفعلوا مثل ما فعل، ويحققوا من العمران في ديارهم مثل ما حقق.

وفي هذا الفصل الذي عالجنا فيه بعض مظاهر التداخل التي حدثت بين تراثنا الإسلاميّ وتراث أهل الكتاب، خاصَّة التراث اليهوديّ، فإنّنا لا نندّد بطبيعة الانفتاح، لأن النسق الإسلاميّ نسق منفتح بطبيعته، لكنّنا تمنّّينا على الأمّة وما زلنا نتمنّى أن يتم الانفتاح بشروطه وضوابطه وقواعده، وبعد أن تبني الأمّة مناهجها المعرفيّة، ونماذجها. وفرق بين أن يتم التداخل والتثاقف بإرادة الأمّة، وبين أن يتم بإرادة أخرى من أمَّة ترغب بتحقيق اختراق، لما تظنّه في صالح علو نموذجها، وتحويلها إلى مرجعيَّة بذلك الاختراق للآخرين. فهذا يشبه الجهود التنصيريّة التي أعتبرها في هذه الظروف الحرجة التي يمر بها المسلمون أشبه بالإكراه المقنَّع على مغادرة الإسلام إلى النصرانيّة: فالفقر والجهل والمرض والأميّة والتخلف وجور السلطان، وشيوع الفرديّة، وتكاثر هذه الأمور، تدمّر الإرادة لدى الإنسان تدميراً، أمّا الإكراه المألوف فإنّه لا يقتلع الإرادة، أو يدمّرها، بل يفرض عليها الكمون والانزواء لتظهر أقوى مما كانت بعد زوال وسائل الإكراه الملجئ.
ولا شك أن اليهود لا اهتمام لديهم، لا في القديم ولا في الحديث بالدعوة إلى ديانتهم؛ فهم يدركون -تماماً- قوميّة اليهوديّة وانحصارها في بني إسرائيل بل على العكس من ذلك إنّهم يضنُّون بها على سواهم، ولا يرون سواهم أهلاً لحمل هذه الديانة، فلم تكن بينهم وبين المسلمين مشكلة تبشير باليهوديّة، أو محاولات استقطاب لمسلمين ليصبحوا يهوداً؛ فهم حريصون على انحصار اليهوديّة بقومهم ﴿قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:76] ﴿قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:75]
لكنّ لديهم أموراً أخرى قد لا تقل خطورة عن التهويد لو مارسوه، وهي ادّعاؤهم العلم في كل شيء، وأنّ البشر كل البشر عالة على علومهم قديماً وحديثاً. وهم إذا ما رأوا عند سواهم علماً بشيء فإنّهم لن يتردّدوا بنسبه إليهم إن كان فيه خير، وإن كان فيه شيء آخر فسرعان ما يتنصَّلون منه، ويعتبرون عناصر النقص فيه إنّما دخلت إليه، لأنّه لم يرجع إليهم فيه.
وحين بعث الله -تبارك وتعالى- خاتم رسله وأنبيائه محمد r من غير بني إسرائيل، وإن كان r من بني إسماعيل بن إبراهيم، وذلك يعني أن إسحاق عمُّه، وبنو إسحاق أبناء عمومته، لم يكن ذلك كافياً لإرضاء كبريائهم. فتنكروا له وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. واقنعوا أنفسهم أنّه r لم يأت بجديد، وأنّه تتلمذ على اليهوديّة وتنكر لها، أو تمرد عليها، ولذلك فقد وضعوا لأنفسهم مقياساً عجيباً: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة:41] فما دام رسول الله قد أخذ عنّا -بزعمهم- فإن جاءكم بشيء مماثل -تماماً- لما عندكم فاقبلوه، أما إذا جاءكم بما يخالف ما لديكم فاحذروا. وما دامت تلك قناعتهم ورأيهم في الرسالة وفي الرسول -إذن- فلابد من مقاومة أيّة خصائص أو مزايا يمكن أن تثبت غير قناعاتهم التي بلغوها في الرسالة وحاملها عليه الصلاة والسلام.









الفصـل الثالث

خطـورة التداخـل المعرفـيّ
قبـل بنـاءالمنهـج والنمـوذج






























خصائص الرسالة الخاتمة
لقد حدّد الله -تعالى- أهم خصائص رسالة خاتم النبيين، رسالة الإسلام، ألا وهي العالميّة مقابل القوميّة العنصريّة التي كانت في بني إسرائيل، كما حدّد أهم خصائص شريعته بالتخفيف والرحمة بدلاً من الإصر والأغلال والنكال التي كانت في شريعة بني إسرائيل، وذلك قد تم قبل بعثته r، وورد ذكر هذه الخصائص، لا سيما خاصيّة التخفيف والرحمة، في جميع المبشّرات التي وردت في دعوات إبراهيم، وألواح وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، والصحف السابقة، واستقرت هذه الخصائص في نفوس البشريّة قبل البعثة النبويّة الخاتمة، وكان أهل الكتاب في الجزيرة العربيّة يستفتحون بها على مشركي العرب. وجعل الله -تعالى- من الخطاب العالميّ المقترن بشرعة التخفيف والرحمة، ووضع الإصر والأغلال، ونسخ شرائع التشديد والقيود، أهم خاصيّتين تميّزان النبيّ الأميّ r عن بقية الرسل، فهو الحامل لرسالة الإسلام العالميّة، ولشرعة التخفيف والرحمة الشاملة القائمة على قيم عليا تشترك البشريّة فيها.

ومن أهم وأبرز النصوص التي وردت في هذا تلك الآيات الكريمة من سورة الأعراف التي سجل الله -تعالى- فيها واقعة ارتداد بني إسرائيل الجماعيّ، بعالميّة خطابه وحاكميّة كتابه في الناس كافة، وذلك حين عبدوا العجل ثم تضرعوا إلى الله تعالى، وكان موسى -عليه السلام- في مقدّمتهم، ليغفر لهم، وليضع عنهم شرعة الإصر والأغلال لئلا يملوا عبادته مرّة أخرى ويستبدلوها بعبادة عجل من ذهب أو سواه، فتاب الله عليهم، ولكنّه أرجأ تخفيف الشريعة، وأعلن أن ذلك التخفيف كرامة مدّخرة للبشريّة لن تعلن لحين ظهور النبي الأميّ r فهو الذي أوكل الله إليه نسخ شرعة الإصر والأغلال، وتلك كانت علامة نبوّته ورسالته. ففي سورة الأعراف ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ {155} وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ {156} الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {157} قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:155-158].
وهكذا تمت كلمة ربك صدقًا، في الإخبار، وعدلاً في الأحكام، فبعث الله النبي الأميّ r كافة للناس بخطاب عالميّ، وكتاب حاكم يشتمل على شرعة ناسخة لما سبقها، قائمة على التخفيف والرحمة، ونسخَ شرعة الإصر والأغلال جملة وتفصيلاً. فلما تبيّن ليهود ذلك، وقد احتشدوا في جزيرة العرب من قبل البعثة بسبعة قرون تقريبًا ترقبًا لظهور النبي الموعود من بينهم، وقد سوّل لهم غرورهم أنَّ التحوّل سيكون في المكان فقط، وأن النبوة لن تخرج عنهم، فلما لم يحدث ذلك ووقعوا تحت سُنَّة الاستبدال الإلهي، طفح بهم الحقد، وأدركوا أن مزاياهم باعتبارهم شعب الله المختار قد انتهت، وأيقنوا أن مرحلة تفضيلهم قد نسخت، فباشروا في الدس على الإسلام وعلى نبيه r وهم يعلمون حقيقة النبيّ الأميّ ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:146].
وتحول الحقد بعد ذلك إلى مؤامرات من كل نوع، فاستهدفوا تزييف علامات النبوة الخاتمة، وفي مقدمتها نزع صفة التخفيف والرحمة عن الشريعة الإسلاميّة الناسخة لشرعة الإصر والأغلال، وكذلك إثارة نوع من الغبش حول إطلاقيّة الكتاب وحرمة نصوصه والحفظ الإلهيّ له، فدسُّوا في التشريع بعضًا من صفات الإصر والأغلال ليشوهوا شرعة التخفيف والرحمة، وابتدعوا أقوالاً تقدح في عصمة الكتاب وحفظ آياته وكيفيّة جمعه وترتيبه، للقضاء عليه بوصفه كتاباً مهيمنًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكذلك الطعن في عصمة النبي الرسول الخاتم r بوسائل عديدة، وقد قال تعالى ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ {72} وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {3/73} يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران:72-74].

كيف تم التداخل بين التراثين الإسلاميّ واليهودي
إن هناك اتجاهين في بيان ذلك التداخل؛ اتجاه يرى أن ذلك قد حدث بشكل طبيعي نتيجة الجوار والتداخل الحياتيّ. وهناك من يرى وجود فكرة القصد والعزم من يهود وراء ما حدث، وقد يؤيّده ما أوضحه القرآن المجيد عن طبائع اليهود ونفسيّاتهم وحرصهم على تدمير الجبهة الداخليّة للمسلمين رغم كل المواقف الإيجابيّة التي وقفها المسلمون معهم، ورغم العهود والمواثيق الكثيرة التي أبرموها، ثم خاسوا وغدروا بها.

انطلق اليهود -بادئ الأمر- من الآيات التي تنص على أن القرآن مصدِّق للكتب السماويّة التي سبقته ومن بينها التوراة ﴿وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة:41] وكذلك ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [آل عمران:50] ففسّروا التصديق بالموافقة والتأكيد والمتابعة في شيء ثبت صدقه، وجعلوا من التوراة بذلك مرجعيَّةً للقرآن متجاهلين التحريفات الهائلة التي أدخلوها عليها -حتى بلغت مستوى بحيث لو اطلع موسى -عليه السلام- عليها لأنكرها ولما عرفها. كما تجاهلوا وتجاوزوا بذلك هيمنة القرآن على التوراة ونسخه لأحكامها. ونفوا وقوع النسخ على شريعتهم أو مجرد احتماله عقلاً أو نقلاً، وتجاهلوا أن تصديق الكتب السماويّة السابقة التي نصّ عليه القرآن هو تصديق الثابت والمشترك في رسالات الرسل كلّهم من الإيمان بالله وتوحيده وإفراده بالربوبيّة والإلهيّة والصفات، وهيمنته عليها، وحاكميتّه فيها، وفي غيرها، بتطهير تلك القضايا المشتركة مما أضيف إليها أو حرِّف وبدِّل منها، فهو المرجع لكل تلك الكتب التي سبقته وليس العكس: فهو -إذن- تصديق يرتبط بالهيمنة عليها وينسخ شرائعها التي قامت على الإصر والأغلال؛ لأنَّها شرائع تأديبيّة عقابيّة ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء:160] أما تصديق القرآن على تلك الكتب وهيمنته عليها فقد جاء فيه قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم﴾ [المائدة:48].

فالقرآن -إذن- مصدِّق لما قبله ومهيمن على ما سبقه، فلا يمكن تحريفه، وهو حاكم على كل ما جاء فيه، وناسخ للإصر والقيود والأغلال التي كانت، كما أن التصديق نفسه لا يعني التسليم بما حُرِّف في أصول الكتب السماويّة السابقة، ولكنه تصديق يسترجع حقيقة الأصول الثابتة والمشتركة في تلك الكتب نافيًا عنها ما زيِّف وحُرِّف، معيدًا إليها ما أزيل من الثوابت ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:13].
فالتصديق استرجاع لحقيقة الأصول لإعادتها إلى حالة الصدق الذي جاءت به ونزلت عليه، وليس تصديقًا لما حُرِّف وزُيِّف وكتبوه بأيديهم وأضافوه إلى كتبهم، ومصادقة عليه. ويرتبط التصديق بحفظ حقائق وأصول تلك الكتب، في محكم القرآن، ولهذا قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:9] والذكر هنا مطلق يشتمل على الحقائق المشتركة بين القرآن وكتب السابقين، وهي حقائق محدّدة لا تقبل تغييرًا أو تعديلاً، كالتوحيد والقيم المشتركة. فكتب السابقين، بعد تصديقها في القرآن وتثبيت أصولها بالهيمنة القرآنيَّة عليها، تم حفظها، فبالقرآن حفظ الذكر الذي جاء به رسل الله كلهم ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:115] تصديقًا وهيمنة، وصدقًا في الإخبار وعدلاً في الأحكام مع هيمنة وحاكميّة شاملة.
قد انطلق اليهود من مفهوم التصديق، فحرّفوه وفرّغوه، وشحنوه بنقيض معانيه ليجعلوه تصديقًا لتراثهم مطلقًا لا تحيط به ضوابط الهيمنة، واسترجاع الأصول، والنسخ، فجعلوا بذلك أسفارهم وكتبهم -بما فيها من تزييف وشرعة إصر وأغلال- المهيمنة على القرآن والمرجع المفسِّر لآياته. فلا غرابة بعد ذلك أن تتسرب جملة هائلة من الإسرائيليّات إلى معارفنا المختلفة ويتبنّى بعض الأصوليين قاعدة "شرعُ من قبلنا شرعٌ لنا مالم يرد ناسخ" أي ناسخ جزئي محدد بقطع النظر عن النزاع في هذه القاعدة وما قيل حولها.
لقد حاولت يهود بكل ما استطاعت من حول وطول أن تدسّ على القرآن نفسه، توهُّمًا منها أنّه كبقيَّة الكتب والأسفار السماويّة التي حرّفوها، وأن تزيف في خصائص شريعته، لتتحول من شريعة تخفيف ورحمة ووضع الإصر والأغلال إلى شريعة إصر وأغلال، وقد حاولوا اقتحام حرم النصّ القرآنيّ، وتوهموا أنّ بإمكانهم تحقيق شيء من النجاح فى ذلك، كما فعلوا في كتبهم نفسها، فوجدوه محفوظًا من داخله بنظمه، معصومًا بأسلوبه وبلاغته وإعجازه، محفوظًا في ملايين الصدور، إضافة إلى العديد من النسخ المكتوبة، بحيث لا يمكن أن يدخله التحريف والتزييف، فما استطاعت يهود أن تحقق شيئًا وارتدت عن محاولتها تلك خاسئة حسيرة، وإذا كان الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب فرضي بما دون ذلك، فإن يهود قد ارتضت هي الأخرى بما دون تحريف النصّ القرآنيّ الذي حفظه الله بحرمته ونور وجهه ونظمه وأسلوبه وإعجازه، فعمدت إلى الولوج من باب التفسير والتأويلات المختلفة ودس المرويّات مستغلة التشابه الظاهر بين بعض قصص القرآن وقضايا الخلق والآخرة ومقابلاتها في التوراة، وكذلك القضايا المشتركة المتعلقة بالخلق والكون والإنسان وأحوال الآخرة والدخول في التفاصيل الدقيقة التي شغفوا بها وامتلأت أخيلتهم المريضة بها من محاولات التحريف والتغيير في خصائص الشريعة.

أهداف يهود في التداخل الثقافي
لقد كان هدف يهود في بادئ الأمر دفاعيًّا، فقد استهدفوا الحيلولة بين عامة أبناء يهود وبين الدخول في الإسلام والإيمان برسالته واتباع نبيّه الأميّ r فركزوا كل جهودهم على محاولة إقناع كل من له إطلاع على التوارة بأنّ نبيّ الله محمد بن عبد الله ليس هو النبي الذي بشر به موسى في الجبل، وعرفت صفاته وخصائص شرعته في تلك المناسبة، ولم تدع يهود وسيلة من الوسائل لم تستخدمها لتحقيق هذا الغرض، واستنفروا كل طاقاتهم وحذفوا وحرّفوا في صفاته الواردة في التوراة وهي العالميّة في الرسالة وشرعة التخفيف والرحمة في الشريعة، وأمّيّة الأصل، كما خاطب الله -تعالى- موسى والسبعين رجلاً في الجبل وما أعياهم تحريفه أوّلوه، وضَمّنوا التوراة والتلمود شروحًا وتفاصيل تحقق مبتغاهم وتنسجم ومواريثهم الثقافيّة.

لذلك كان الهدف الأول هدفًا دفاعيًا نجحوا فيه نجاحًا جيدًا فلم يتحول من اليهوديّة إلى الإسلام إلا أعداد قليلة جدًا منهم.

أما الهدف الثاني فقد كان اختراق جبهة المسلمين نفسها، هذا الاختراق الذي أخذ أشكالاً عديدة، منها تلك المحاولة الخبيثة التي سجلها القرآن المجيد في قوله تعالى ﴿وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ {72} وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:72-73]. فإذا كان الهدف الأول ناشطًا في أيام البعثة النبويّة الشريفة، أي الهدف الدفاعيّ، فإن الثاني ما لبثوا أن شغّلوه، في المدينة من بعد حقبة النبّوة الشريفة والخلفاء الراشدين، ومن بعد اتساع دار الإسلام، حيث اتسعت فرص الاندساس داخل الأمّة الإسلاميّة الكبيرة المتعدّدة الأعراق والثقافات ذات النسق المنفتح، والمنبسطة على أكثر من مصر.

صياغة اليهود لمداخل التزييف في التراث الإسلاميّ
إن كل فئة محترفة للتحريف ومستهدفة لإضلال غيرها لابد لها من توليد مداخل للتحريف من ذات البنية الفكريّة التي يراد اختراق النظام المعرفيّ القائم عليها لتتم عمليَّة الاختراق والتحريف من الأطر التي تعتبر مرجعًا عقائديًا، ولكي يكتسب التحريف والتزييف مرجعيّة ثابتة، حتى لو اقتضى الأمر الدس والتزييف والتلاعب بكل شيء. وهذا هو أخطر أنواع التحريف والتزييف.

لقد كان للانحراف في مفهوم "تصديق الكتاب لما بين يديه" مع تجاهل وتجاوز صفاته الأساسيّة في الهيمنة على ما بين يديه، ونسخ شريعته ومنهاجه لشرائع ومناهج ما سبقه من كتب، والغفلة عن مفهوم الذكر وضوابط حفظه؛ آثار خطيرة في -فكرنا نحن المسلمين- وفي معارفنا كلها، فلولا ذلك لما وُجد أصوليون مسلمون يتحدثون عن "شرع من قبلنا باعتباره شرعًا لنا ما لم يرد ناسخ" فتجاهلوا النسخ الكليّ للشرائع السابقة ليلزموا المسلمين بالبحث عن الناسخ الجزئيّ في شريعتنا لما ورد في شرائع من قبلنا التي كأنّها اعتبرت، بمقتضى هذه القاعدة، الأصل الذي علينا أن نرجع إليه قبل النبوة الخاتمة وبعدها.

وربما فرّع بعضهم عن هذه القاعدة فقهًا حمل شكل فقهنا، وصار جزءًا من الفقه الإسلامي. ولعل بعض مباحث وفقه الجروح والشجاج وأحكامها التي بنيت على قوله تعالى حكاية لما كتب وفرض على بني إسرائيل ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:45] أمثلة جيدة على ذلك، وكذلك بعض الأحكام المتناثرة في كثير من أبواب الفقه، ومنها نكاح الجن والإنس والمصاهرة بينهما، ونحوها، مما فتح على المسلمين بابًا لم يمكنهم غلقه حتى الآن.

الاختراق والوضع في الحديث
أما في مجال الحديث النبوي، فقد كانت بداية الاختراق والتطبيع الثقافيّ عندما بدأ تداول وإشاعة ما أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله r قال: "بلِّغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" أخرجه البخاري. قال ابن الأثير في "جامع الأصول" كالمعبِّر عن شيء من الحيرة في هذا الجزء من الحديث "الحرج: الضيق والإثم، يريد أنكم مهما قلتم عن بني إسرائيل فإنّهم كانوا في حال أكثر منها وأسوأ؛ فلا ضيق عليكم فيما تقولونه ولا إثم عليكم". يريد ابن الأثير: أن معنى هذا الحديث -عنده- أن أيّ شيء تقولونه عن بني إسرائيل وفيهم، وأيّ وصف تصفونهم به فلا حرج عليكم فيه لأنّهم أسوأ من ذلك بكثير. وأقول: هذا المعنى من الصعب أن يكون مرادًا إذا أخذت هذه العبارة في سياق الحديث، ولوحظ ما قبلها وما بعدها، وقد يعزز ما قلنا قول ابن الأثير -نفسه- بعد ذلك "وليس هذا إباحة للكذب في أخبار بني إسرائيل، ورفع الإثم عمن نقل عنهم الكذب، ولكن معناه الرخصة في الحديث عنهم على البلاغ، وإن لم يتحقق ذلك بنقل الإسناد، لأنّه أمر قد تعذر لبعد المسافة وطول المدة". قلت: وكأن المطلوب أن يُهَيّأ العقل المسلم الذي أخضع أحاديث وسنن رسول الله r لقواعد الإسناد وما فيها، ونقد المتون، على قرب العهد وشيوع الصدق في العرب، ليتساهل في قبول تراث بني إسرائيل، كما نقلوه هم، وينفتح عليه بنوع من المرونة والتساهل وعدم المطالبة بالإسناد لبعد المسافة وطول المدة. ثم أورد ابن الأثير الحديث باللّفظ الذي أخرجه به أبو داود في باب "الحديث عن بني إسرائيل" برواية أبي هريرة -رضى الله تعالى عنه- وهو أنّ النبيّ r قال: "حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" ولم يعلِّق عليه بشيء.

أما الحافظ ابن حجر العسقلاني فقد علق على الحديث بما لفظه: "حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج": أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان قد تقدم منه r الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسُّع في ذلك، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلاميّة والقواعد الدينيّة خشية الفتنة، ثم زال المحظور ووقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار. وقيل معنى قوله: "لا حرج" لا تضق صدوركم بما تسمعونه عنهم من الأعاجيب فإنّ ذلك وقع لهم كثيرًا. وقيل: لا حرج في ألا تحدثوا عنهم، لأن قوله أولاً "حدثوا" صيغة أمر تقتضي الوجوب فأشار إلى عدم الوجوب، وأن الأمر فيه للإباحة بقوله "لا حرج" أي في ترك التحدّث عنهم. وقيل: المراد رفع الحرج عن حاكي ذلك لما في أخبارهم من الألفاظ الشنيعة نحو قولهم: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ وقولهم ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا﴾ [قلت: هذا قرآن يتلى ما كان للحافظ أن يورده هنا، ثم ألا يكفي ما أورده القرآن لأخذ الدروس والعبر؟] وقيل: المراد ببني إسرائيل أولاد إسرائيل نفسه وهم أولاد يعقوب، والمراد حدِّثوا عنهم بقصتهم مع أخيهم يوسف، وهذا أبعد الأوجه!! وقال مالك: المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن، أما ما علم كذبه فلا. وقيل: المعنى حدّثوا عنهم بمثل ما ورد في القرآن والحديث الصحيح. وقيل: المراد جواز التحدث عنهم بأيّ صورة وقعت من انقطاع أو بلاغ لتعذُّر الاتصال في التحديث عنهم، بخلاف الأحكام الإسلامية فإنّ الأصل في التحديث بها الاتّصال، ولا يتعذّر ذلك لقرب العهد. وقال الشافعي: من المعلوم أن النبي r لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوّزون وقوع الكذب فيه فلا حرج عليكم في التحديث به وعنهم بشرط بيان ذلك، وهو نظير قوله "إذا حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم" قلت: إذن، لِمَ هذا الفضول؟!" ولم يرد الإذن ولا المنع من التحدث بما قطع بصدقه.

قلت: ما الداعي لذلك وبين أيدينا كتاب الله يغنينا عن الحديث عنهم، والنقل من تراثهم وتكلُّف أيٍّ من التأويلات التي تكلفها هؤلاء الأئمة الكبار وشغلوا بها أنفسهم؟!

كل هذا الذي قاله ابن الأثير أو نقله الحافظ ابن حجر عن العلماء إنما كان محاولة لمعالجة ما حاك في الصدور من الرواية عن قوم عرفوا قرآنيًا وواقعيًا عبر تاريخهم كله باحتراف الكذب صناعةً واختلاقًا ورواية وسماعًا، ووصفوا بالافتراء على الله الحي الذي لا يموت وعلى رسله وأنبيائه كافة، ومنهم موسى وهارون وعيسى، فهم ﴿يَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:75] و﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة:14].

إن من البيِّن أن علماء الأمة قد حاك الأمر في صدورهم، وشعروا كأن هذه الرواية تحمل ما نسميه بلغة العصر اتجاهًا نحو تطبيع العلاقات الشرعيّة والثقافيّة مع اليهود فذكروا كل تلك التأويلات القريبة والبعيدة، لأنّ الحديث من حيث الإسناد صحيح -عندهم-. ترى لو أن علم مقاييس نقد المتون أخذ من اهتمام العلماء القدر الذي أخذته علوم الإسناد، وسادت قواعد منهجية معرفية قرآنية لدراسة مثل هذه القضايا الكبرى، هل كان العلماء يحتاجون إلى كل تلك التأويلات؟ ربما يحتاجون إلى ذلك في إطارها، ولربما تجنبنا كثيرًا من عوامل القلق والبلبلة الفكريّة، ومداخل الاختراق الثقافيّ. فالقرآن المجيد قد اشتمل على المنهجية المعرفيَة الكاملة، والشريعة التامة، وبه كمل الدين كله، والقرآن قد نسخ التجربة الإسرائيلية -كلها- وما يظن أنّه مشترك في رسالات الأنبياء قد طُهِّر ونُقِّي واسترجعَ، وأعاده القرآن الكريم بمحكم آياته صدقًا وعدلاً، ثم هيمن عليه، ورسول الله r قد جاء بالصدق وصدَّق به. وتضافرت آيات الكتاب الكريم وأحاديث رسول الله r على دعوة المسلمين إلى مخالفتهم حتى في الأمور اليسيرة، وفي خصال الفطرة والهيئات؛ لأنّ ذلك هو الأحوط، والآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة الواردة في ذلك أكثر من أن تحصى. وأمرت البشريّة -كلها- بابتغاء الإسلام وحده، وأعلن أنّه لن يقبل منها غيره ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:85]. وبالتالي فلم تعد هناك -أيّة حاجة إلى نقل تراث الكذبة من هؤلاء، أو التحديث عنهم، أو نقل افتراءاتهم على الله وأنبيائه وشرائعه، والتساهل في ذلك، وتخفيف كل ما في علوم الرواية والدراية من ضوابط وقيود لتسهيل استيعاب تراثهم المريض، اللّهم إلا إذا كان التحديث لوصفهم بما وصفهم القرآن العزيز به، للتحذير منهم، والتذكير بعيوبهم وخطرهم وسوء فعالهم، أو أخذ العبر والدروس من أخبارهم الصحيحة التي أوردها القرآن فجعلها صادقة، ونبَّه إلى مواطن العظة والاعتبار فيها، فما الداعي -بعد ذلك- إلى الانفتاح على تراثهم في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ الإسلام؟
إن رسول الله r قد اشتد في التحذير من قراءة أسفارهم لأهل العلم والفقه والبصيرة والحكمة أمثال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فكيف بمن سواهم؟ فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله r "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنّهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فإنكم إما أن تصدقوا بباطل، أو تكذبوا بحق، فإنه لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتّبعني".
ونقل عن البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن الحارث قوله: "لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم، أنا حظُّكم من النبيين، وأنتم حظّي من الأمم".
وقد أورد المناوي في شرح هذا الحديث: "لو نزل موسى من السماء الدنيا فاتبعتموه وتركتموني لضللتم" أي لعدلتم عن الاستقامة؛ لأن شرعي ناسخ لشرعه. قال الراغب: الضلال العدول عن الاستقامة، ويضادّه الهداية "أنا حظكم من النبيين وأنتم حظي من الأمم" قد وجه الله وجوهكم لاتّباعي ووجهني إلى دعائكم إليه، قال الحراني: فإذا كان ذلك في موسى كان في المتخذين لملته إلزام بما هم متبعون حسب ادعائهم، وأصل ذلك أن المصطفى لما كان المبدأ في الأبد وجب أن يكون النهاية في المعاد بإلزام الله أعلى الخليقة ممن أحب الله أن يتبعوه وأجرى ذلك على لسانه إشعارًا بما فيه من الخير والوصول إلى الله من أنه نبي البشرى، ويكون ذلك أكظم لمن أبى اتباعه. وقال غيره: هذا لا يوجب على تقدير نزول موسى زوال النبي r ولا انتقاله عن الرسالة؛ لأنه لو نزل لنزل على نبوته ورسالته وتكون الشريعة شريعة محمد r كما كانت في عصر إبراهيم لإبراهيم دون لوط، وفي زمن عيسى له دون يحيى، فالمعنى أنه لو كان في زمني لكان عليكم اتباعي فإن تركتم ما أمرتم به ضللتم وخسرتم".

وإذا كان فقهاء الصحابة وقرّاؤهم حتى نهاية عهد الشيخين: أبي بكر وعمر يحذرون من الإكثار من الحديث عن رسول الله r لئلا ينشغل الناس عن القرآن بشيء حتى لو كان ذلك الشيء معلومًا من الدين بالضرورة أنه بيان للقرآن، وترجمةٌ لمعانيه بلغة نبويّة، فكيف يظن بهم التساهل في الرواية عن بني إسرائيل دون إسناد أو تثبت، وينفتحون على هذا التراث اليهودي المحرَّف دون منهج نقد قرآنيّ يغربله ويميز طيِّبه من خبيثه؟ لابد أن يكون للحديث قصة أو سبب ورود لم ينقل معه -إن صح- فبدا الحديث كما لو كان إطلاقًا لحريّة التحديث والرواية عن بني إسرائيل وهو أمر فيه ما ذكرنا؟

المثاقفة أوالاختراق المعرفيّ
ترى هل كان هذا الحديث هو السبب في فتح الباب لاحقًا أمام أخطر عمليَّة اختراق معرفيّ عرفتها البشريّة ولا زالت تعاني من آثارها وأضرارها؟ هل كان هذا الحديث هو الوسيلة الوحيدة التي كسر بها الحاجز النفسيّ بين المسلمين ورواية الإسرائيليّات لتمتلئ بعد ذلك كتب التفسير والتاريخ خاصةً بالإسرائيليّات؟ بل وتلج أبوابَ الفقه الإسلامي وأصوله من بعض المواقع، وتبدأ عصور الغفلة عن خصائص الشريعة الخاتمة؟

قد نحمّل الحديث المذكور أكثر مما يحتمل، وقد نعزز بهذا فكرة المؤامرة وقد نعطي اليهود قوة وذكاءً لا يستحقونه، وقد نصور المسلمين حتى في عصور السلف الأخيرة بصورة قوم سلبيّين كأنّهم كانوا يقفون من خصومهم وعدوهم موقف المتفرج أو موقفًا سلبيًا لا مباليًا بحيث يتمكن عدوهم من اختراقهم متى شاء وكيفما شاء، ومن أية ثغرة أراد. وهذا أمر لابد من وضعه بحجمه الحقيقي دون مبالغة، وليتم ذلك لابد من الرجوع قليلاً إلى ما قبل البعثة، ثم إلى وضع العرب وبلادهم إبان البعثة ليتبيّن الأمر.

هجرة يهود إلى شبه الجزيرة العربية
لقد لخص محمد عزت دروزة -رحمه الله- روايات كثيرة عن مختلف المصادر العربيّة القديمة التي عززتها روايات الآخرين ومصادرهم، أنَّ جماعات من بني إسرائيل قد جاءوا إلى مختلف المناطق الحجازيّة من أمد بعيد واستقر أكثرهم في يثرب في ناحيتها على طريق الشام، وكان بعض أفرادهم يترددون على مكة أو يقيمون فيها. وقد تعلموا اللغة العربية، واشتركوا في حياة العرب وتقاليدهم، وصار لهم فيهم أنصار وحلفاء ومحبون ومراكز قوى، وأنهم نشروا عن أنفسهم علمًا واسعًا في الأديان والشرائع وأخبار الأمم وسنن الكون والدين السماوي الذي يدينون به والكتاب المنسوب إلى الله ورسله الذي يتداولونه، وكانوا يزهون بذلك على العرب ويفخرون ويستفتحون عليهم، بل ويدلسون في كل ذلك عليهم، ويظهرون غرورًا وخيلاء وتبجحًا بما عندهم من العلم وما يصدر عنهم من معارف، ولو كان فيها زيف وتدليس، ويزعمون أنهم أولياء الله وأحباؤه وأصحاب الحظوة لديه، وأن ذلك قد أثر على العرب تأثيرًا غير يسير فكان لليهود بسببه مكانة ممتازة صاروا بها مرشدين وقضاة، وأنه كان لهم كيان طائفي ديني ولهم معابدهم ومدارسهم وأحبارهم وربانيُّوهم. وكان لهؤلاء الأخيرين تأثير كبير على أبناء الطائفة، كما كانوا قضاتهم، وكان منهم من يتخذ منصبه ونفوذه وسيلة إلى ابتزاز المال بالباطل، وكانوا يتعاطون السحر والشعوذة أيضًا، وكانوا جاليات كثيرة العدد، منهم بل أكثرهم استقروا في أحياء خاصة لهم في يثرب المدينة وحصنوها بالقلاع والحصون والأسوار، ومنهم من سكن في مزارع وقرى خارج المدينة، منها القريب ومنها البعيد، وحصنوها بالقلاع والحصون والأسوار، وكانوا يقتنون مختلف أنواع السلاح وبكمية كبيرة من سيوف ورماح وَقِسِىّ ونبال وحراب ودروع. ولم يكونوا متحدين في كيان سياسي وعسكري وديني، بل كانوا فرقًا وأحزابًا، وكانوا على خلاف ونزاع وعداء. وكان في المدينة قبيلتان عربيتان هما الأوس والخزرج، وكان بينهما نزاع وعداء وحروب، فكان فريق من اليهود متحالفًا مع إحداهما وفريق آخر مع الأخرى، وكان كل فريق يقاتل مع حليفه الفريق الآخر مع حليفه من اليهود، ومع ذلك فقد كان طابع الذلة والمسكنة والجبن والغربة والفزع بطبعهم جميعًا، فكانت محالفاتهم مع العرب، بالإضافة إلى حصونهم وقلاعهم وسلاحهم، وسيلتهم إلى الاستمساك والبقاء، وكانوا لأجل ذلك يحرصون على أن يبقى النزاع والعداء قائمًا بين القبيلتين العربيتين. وكانت لهم حقول ومزارع وبساتين وأموال وأملاك، وكانوا يشتغلون بالتجارة والصناعة والربا، فكان كثير منهم نتيجة لذلك أغنياء وأصحاب ثروات، وكان ذلك يساعدهم على النفوذ والتأثير بالعرب أيضًا.

بل لقد بلغ من تمازجهم وتداخلهم بالبيئة العربية في الحجاز أن كثيرًا منهم قد أصهروا إلى قبائل عربية، ودمجوا أنسابهم بها بشكل لم تعد معه عملية التمييز بينهم وبين غيرهم ممكنة، فمن كان يستطيع أن يميز اليهودي من غيره قبل البعثة والهجرة في قبائل مثل بنى عكرمة وبني ثعلبة وبني عوف وبني القصيص وبني الحجاز وبني الحارث وبني ساعدة وبني جشم وبني الأوس وبني الشطبية وبني عمرو وبني بهدلة وبني كعب وبني محمر وبني وائل وكثير من هذه القبائل اليهودية التي عاشت في جزيرة العرب قرونًا قبل الإسلام ثم انتشرت مثل خلايا السرطان في جسد المجتمع الإسلامي الأول!! ولم يعد تمييزهم من غيرهم ممكنًا، ولسان هذه القبائل -كلها- عربيٌّ مبين وكان المرجع في تفسير معاني المفردات والاصطلاحات والأحاديث والآيات بعد ذلك. وكيف يمكن التمييز وأسماء أبنائهم عبد الله ومعاذ والليث وسعد ووائل وسفيان ومالك وقيس والنعمان وميمون والمنذر والوليد وغيرها من الأسماء الشائعة في البيئة العربيّة.

الثقافة الشفويّة
فلا غرابة -وهم من عرب يثرب خاصة والحجاز عامة بهذه المثابة- أن يشكلوا ثقافة شفهيّة يهوديّة عامة لعرب الجزيرة، وأن يصبحوا المراجع الثقافيّّة المعتبرة للعرب الأميّين. يقول ابن خلدون: "إن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنَّما غلبت عليهم البداوة والأميّة، وإذا تشوفوا إلى معرفة شيء من أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حِمْيَر الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم! مما لا تعلق له بالأحكام الشرعيّة التي يحتاطون لها، مثل بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم. وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين كانوا يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا أنه بعُد صيتهم وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة فتلقيت بالقبول من يومئذ".

فلا غرابة بعد ذلك أن يرجع مشركو العرب إليهم يستفتونهم بشأن الإسلام، فيروي ابن هشام وغيره: أن نفرًا من اليهود قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله r وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت قريش: يا معشر يهود إنّكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ فقالوا لهم: بل دينكم ودين آبائكم خير. وفي هذا نزل قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً {51} أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء:51-52].

الوجود اليهودي باليمن
ولم يكن وجودهم الفاعل في مرحلة ما قبل الإسلام قاصرًا على مكة والمدينة ونواحي الحجاز بل لقد امتد ذلك الوجود السرطاني إلى اليمن. ولقد ذكرت الروايات العربيّة وأيدتها المدونات اليونانية والرومانية، أن ملكًا من ملوك حِمير اسمه أسعد أبو كرب مرَّ في إحدى مدن يثرب، فجاءه حبران من أحبار اليهود، فأعجب بهما واتّبع دينهما وأخذهما إلى اليمن، ودعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه فأجابوه. وهكذا بدأت اليهوديّة تنتشر في اليمن، ويخمن أن ذلك كان في القرن الخامس بعد الميلاد. ولقد ذهب المبشرون النصارى إلى اليمن -أيضًا- عن طريق الحبشة بعد أن لقيت النصرانيّة فيها تأييد وتشجيع الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير، وانتشرت في ربوع اليمن. ويخمن أن ذلك كان في القرن الرابع، فلما انتشرت اليهودية، وغدت دين ملوك حمير، أخذ رجال الديانتين يتكايدون نتيجة للعداء الذي كان مشتدًا بين اليهود والنصارى في مختلف بلاد الشام ومصر، وقد كسب اليهود الجولة الأولى على النصارى في أوائل القرن السادس في عهد الملك الحميري ذي نواس، حيث اشتد اضطهاد اليهود على يد هرقل في الشام فأوغروا صدر ذي نواس على النصارى ردًا على ما فعل بإخوانهم في الشام، حتى روي أنه أمر بحفر أخدود طويل وتأجيج النيران فيه وإلقاء الذين بقوا على نصرانيّتهم ولم يعتنقوا اليهوديّة فيه. ولقد أشارت إلى هذا الاضطهاد رسالة وجهها مارشمعون أسقف بيت أرشام إلى رئيس دير جبلة وأورد نصها يوحنا في تاريخه الكنسي حيث وصف ما سمعه من شهود عيان من أهل اليمن من تعذيب نصارى نجران سنة (524م)، وحيث قال: إن ملك حمير وجّه إلى ملك الحيرة رسولاً يحرّضه على أن يفعل في نصارى بلاده ما فعله هو في نصارى نجران.

وقد جرّ هذا الاضطهاد على اليمن غزو الأحباش الذين اتخذوه ذريعة انتصارًا لبني دينهم في الثلث الأول من القرن السادس قبل الميلاد، محرضين أو مؤيدين من قبل الروم، فتمكنوا من نسف الدولة الحميريّة وبسط سلطانهم على بلادها نحو سبعين سنة، وخلال ذلك كال النصارى لليهود بمثل كيلهم حتى أفنوهم أو كادوا.

وبقيت الجماعات التي استقرت في يثرب والقرى القريبة منها على طريق الشام حيث هي، إلى أن بُعث النبي r وهاجر إلى المدينة فوقف جمهورهم منه ومن دعوته واتباعه مواقف كيد وتشويش وتشكيك وتآمر وعداء تضمنت بيانَه آياتٌ قرآنيّّة مدنيّة عديدة، وأحاديث فيها إشارات إلى ما كانت عليه أحوالهم وأخلاقهم وسوء سيرتهم، بحيث أدى ذلك إلى الاصطدام الحربيّ ضد النبي r والمسلمين، وإجلاء بعضهم والتنكيل ببعضهم، وتطهير البقاع العربية الإسلامية منهم، بعد سبعة قرون من العيش المشترك والتداخل الكبير الذي لم يؤثّر في تغيير نفسيّاتهم، وإشعارهم بضرورة الاعتراف بالفضل.

الوجود الفكري اليهودي في جزيرة العرب
كان ذلك على مستوى وجودهم المادي، أما وجودهم الفكريّ والمعرفيّ والثقافيّ فقصته مختلفة تمامًا. إن الله -تعالى- قد اصطفى موسى رسولاً ونبيًا إلى بني إسرائيل فقط لا غير، وصنع الله-تعالى- موسى على عينه عقليًا ونفسيًا ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:39] لتكون له خصائص قائدٍ قوميّ إسرائيليّ منقذ ومحرر ورسولٍ نبيّ لقومه الذين يمثلون شعبًا مضطهدًا عاش أقسى الظروف في ظل نظام طاغوتي متجبر ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ {4} وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ {5} وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:4-6] فطبيعة موسى وشخصيَّته أقرب ما تكون إلى طبيعة قائد صلب لشعب ينتمي إليه، ويدرك كل أبعاد معاناته وظروفه القاسية، ولا يجد غضاضة في أن يتعصَّب له، ويدافع عن قضاياه بكل ما تُمَكن منه شخصيّة القائد القوميّ. وهو في الوقت نفسه نبيٌّ إلى هذا الشعب ورسول أوتي من الله حكمًا وعلمًا وعقيدة وشريعة، فلا يستطيع تجاوز مقتضيات نبوّته ورسالته وخصائص شريعته المنزلة. ولم يفهم بنو إسرائيل هذا الاختيار الإلهيّ والاصطفاء على حقيقته في إطار مهام الاستخلاف الإلهي لآدم وبنيه في الأرض، بل فهموه مركزيّة يهوديّة تجعل منهم مركز الكون وروح الإنسان وشعب الله وجنده الوحيدين، وكأنّه جل شأنه لم يعد -في تصورهم- إلهًا إلا لبني إسرائيل -وحدهم- فهو في نظرهم (يهوه) (رب الجنود) الذي انصرف عن خلقه -كلِّهم- ليكرّس كل شي ليهود وتاريخهم وأمجادهم وأحلامهم.

دور القصّاصين والوعاظ في خلط الأمور
لقد كان الدور الذي لعبه القصّاصون والوعاظ في المساجد دورًا خطيرًا، فقد روج هؤلاء للتراث الإسرائيليّ، واعتمدوا عليه، وشحنوا مجالس وعظهم بتلك القصص، ومنها بدأت تنتقل إلى كتب التفسير والحديث. فهؤلاء القصاصون والوعاظ كانوا يجلسون إلى العامة في المساجد، فيروون لهم الإسرائيليّات لما فيها من طرائف وعجائب تستهوي العامة وتنال إعجابهم. ومن المعلوم أن الحديث النبوي قد بدأ تدوينه عام (83هـ) على يد عبد العزيز والد الخليفة عمر بن عبد العزيز، وتكامل في عهد ولده عمر عام (99هـ) وكان التفسير بابًا من أبواب الحديث -آنذاك- لأنه قام على جمع المأثور بأسانيده، ولما انفصل التفسير عن الحديث استمر الكاتبون في التفسير يروون ما يدرجونه في تفاسيرهم بالأسانيد، لكنَّهم لم يخضعوا تلك الأسانيد لموازين الجرح والتعديل كما فعل المحدِّثون، وكانوا يرون أن ذكر الإسناد كاف للخروج من العهدة، وشاع بينهم قولهم "من أسند لك فقد حملك". ولما شاع الميل إلى الاختصار لم يعد هناك اهتمام يذكر بالأسانيد، وصار الكثيرون لا يكتفون بعمليّة تجاهل نقدها فقط، بل يحذفون أسانيدها، وقد عرض ابن خلدون لهذه الظاهرة الخطيرة في المقدمة في النص الذي نُقل عنه قبل قليل.

والذي جعلنا نسهب في بيان تأثير يهود في بعض جوانب تراثنا الإسلامي أنّهم قد تركوا فعلاً آثارًا خطيرة في سائر المجالات، حتى أحاطت تلك الآثار بخصائص شريعتنا، وبقيمها العليا الحاكمة، ومقاصدها المطلقة، وسرّبوا إلى شريعتنا من مداخل الإصر والأغلال ما جعل شريعتهم تبدو في بعض الأحكام أقرب إلى التخفيف والرحمة من شريعتنا القائمة على اليسر ورفع الحرج، ووضع الإصر والأغلال، وهي المنطلقات التي بدأنا منذ وقت مبكر نفتقدها في فقهنا ومنها الحكم المتعلق بالردة موضوع بحثنا هذا، ونحو ذلك من عقوبات لوحظ فيها أشد الظروف المشددة، كما لوحظ فيها جانبها التأديبي وحدوده العليا. كما تركوا ثقافة شفوية ممتدة الجذور، تطل بعيونها البغيضة علينا عندما تضعف صلتنا بكتاب ربنا وبيانه في سنة نبينا r، وبالثقافة الإسلامية النقيّة التي قامت عليهما.





الفصـل الرابـع

حقيـقـة الردّة كما تبيّـنها
آيـات القرآن الكـريـم











































مفهوم الردّة في القرآن
1. ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:217]. "حبوط العمل في الدارين والعياذ بالله".
2. ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:86]. "انتفاء الهداية وانتفاء الاستعداد لاستقبالها".
3. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾ [آل عمران:90]. "الردة المتكررة تمنع قبول التوبة".
4. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران:91] "الموت على الكفر لا يرفع عقوبته عند الله أي عمل تقدم في الدنيا وأي فداء يعرض، وفيه معنى تهكمي إذ من أين يأتي المرتد بملء الأرض ذهبًا بعد الموت".
5. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:100]."من هم الذين يدفعون الضعاف إلى الردة؟"
6. ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران:106]. "بعض الجزاء الوخيم الذي ينتظر المرتدين".
7. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئًا وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:177]. "ضرر المرتد موجّه نحو نفسه".
8. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:54]. "المرتدّ لا يحب الله ولن يستطيع أن يضره سبحانه وتعالى بشيء وسوف يستبدله الله-تعالى- بمن هو خير منه".
9. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ [النساء:137]. "لن يستطيع صاحب الردة المتكررة أن ينال مغفرة الله-تعالى- مهما عمل".
10. ﴿مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:106]. "ردة المكره الذي لا اختيار له لا تؤثر على إيمانه، إلا إذا اختار الكفر اختياراً وانشرح صدره له".
11. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:11]. " ضعف الإيمان ووهن اليقين وعدم عبادة الله بشكل سليم من أهم مداخل الردة".
12. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:32]. "انتفاء إضرار الكفر بالله -تعالى- وحبوط عمل الكافر هو النتيجة التي ينتظرها على ذلك".

هذه الآيات الكريمة -كلها- تشترك في بيان حقيقة الردة اسمًا ومفهومًا، فهي تفيد معنى الرجوع عن الإسلام والإيمان بعد قبولهما وفقًا لما أمر الله-تعالى- به. وهذا الرجوع الذي أطلق اسم الردة عليه يستوي فيه أن يكون رجوعًا عن الإسلام والإيمان إلى دين سبق للمرتد التدينُ به، أو الانتقال إلى دين آخر غير الاثنين، أو تبني الإلحاد وعدم الإيمان بأي دين، فكل ذلك رجوع عن الإسلام، وكله ردّة عنه.

وبذلك يتضح أن الردة والارتداد في المفهوم القرآني يمثلان الرجوع إلى ما فارقه عما كان قد بلغه أو وصل إليه. والقرآن الكريم في استعمالاته المتعددة لم يستخدم هذه المادة في الرجوع عن الإسلام فقط، أو ما يعد رجوعاً في الأمور المعنوية فحسب؛ بل استعمله في كثير من الأمور الحسية بحيث يكون استعمالاً شاملاً لما هو معنوي، وفيما هو حسي، ومن هنا فإن الراغب الأصفهاني في مفرداته قد ألمح إلى هذين الاتجاهين في الاستعمال القرآني فقال:

"الردّ: صرف الشيء بذاته أو بحالة من أحواله، يقال: رددته فارتد، قال تعالى ﴿وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ فمن الردّ بالذات قوله ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ و﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ﴾ وقال ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ وقال﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ و﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ﴾ ومن الرد إلى حالة كان عليها قوله﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وقوله ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ﴾ أي لا دافع ولا مانع له، وعلى ذلك ﴿عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ ومن هذا الردُّ إلى الله نحو ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ و﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ و﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ﴾ فالرد كالرجع ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ومنهم من قال في الرد قولان: أحدهما ردهم إلى ما أشار إليه قوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ والثاني:ردهم إلى الحياة المشار إليها بقوله ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ فذلك نظر إلى حالتين كلتاهما داخلة في عموم اللفظ، وقوله تعالى: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ قيل: عضّوا الأنامل غيظاً وقيل :أومأوا إلى السكوت وأشاروا باليد إلى الفم، وقيل: ردوا أيديهم في أفواه الأنبياء فأسكتوهم، واستعمال الرد في ذلك تنبيه إلى أنهم فعلوا ذلك مرة بعد أخرى. وقوله تعالى: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً﴾ أي يرجعونكم إلى حال الكفر بعد أن فارقتموه، وعلى ذلك قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:100]، والارتداد والردة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه، لكن الردة تختص بالكفر، والارتداد يستعمل فيه و في غيره، وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم﴾ وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ وهو الرجوع من الإسلام إلى الكفر، وكذلك ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ وقال ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ و﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ وقال ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ وقوله ﴿وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي إذا تحققتم أمرًا وعرفتم خيرًا فلا ترجعوا عنه. وقوله ﴿فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أي عاد إليه البصر، ويقال :رددت الحكم في كذا إلى فلان: فوّضته إليه، قال تعالى:﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ﴾ وقال ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ويقال: رادّه في كلامه. وقيل في الخبر: البيّعان يترادّان: أي يردّ كل واحد منهما ما أخذ، وردة الأبل: أن تتردد إلى الماء، وقد أردّت الناقة، واسترد المتاع استرجعه".

الردَّة رجوع إلى ما فارقه أو سواه
إذن فالردة في القرآن تعني الرجوع عن الإسلام صراحة والتخلي عنه بعد الدخول فيه، وسائر مفسري القرآن الكريم فسروها بالرجوع عن الإسلام إلى الكفر، وأشاروا إلى أن الآيات فيها معنى تنبيه الذين دخلوا الإسلام وتحذيرهم من الخروج منه، أو التساهل في الرجوع عنه، وفي الوقت نفسه فيها تحريض لكل من يدخل الإسلام على التمسك به وعدم الارتداد عنه؛ لأنه الرشد الحقيقي الذي هو أقوى وأثبت أسباب الحياة، وهو الاستقامة على الطريق، والسير على الحق المبين الذي لا يضل سالكه، إلى ذلك ذهب القرطبي في تفسيره للآية 217 من سورة البقرة، ونحوه نحا الزمخشري في تفسيره للآية نفسها، وأكد على أن في هذه الآيات تحذيرًا للمسلمين وحضّا على الاستمرار في الإسلام واستدامته والموت عليه، وبمثله قال الطبرسي والآلوسي والنيسابوري والبيضاوي، وكذلك الطبري في جامع البيان.

بعد أن تبين مفهوم الردة في القرآن الكريم نستطيع أن نرى كيف طوَّع القرآن هذه المادة اللغوية للمعاني التي أرادها وجعلها اسمًا على فعل يتعلق بالدين، ففي لسان العرب جاء: "ارتدَّ، وارتد عنه: تحوَّل" وفي التنزيل ﴿مَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [المائدة:54] والاسم الردة، ومنه الردة عن الإسلام إلى الرجوع عنه، وارتد فلان عن دينه إذا كفر بعد إسلامه، ونحو ذلك ما قاله صاحب القاموس وشارحه في تاج العروس، وقبلهما الجوهري في الصحاح، والأزدي في الجوهرة، وسائر أصحاب المعاجم اللغوية قديمًا وحديثًا. وجاء في النهاية لابن الأثير، والمصباح المنير، وأساس البلاغة: "المرتد على عقبيه هو المنقلب على عقبيه، الراجع مستديرًا في الطريق الذي قد كان قطعه منصرفًا عنه. فقيل ذلك لكل راجع عن أمر كان فيه في دين أو خير، قال: ومن ذلك قوله في سورة الكهف ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف:64] بمعنى رَجَعَا في الطريق الذي كانا قد سلكاه. وإنما قيل للمرتد مرتد لرجوعه عن دينه وملته التي كان عليها" قلت: واستعمال هذا اللفظ يفيد أن الإنسان حين يؤمن ويسلم وجهه لله -جل شأنه- كأنه تقدم إليه وسلك طريقًا للوصول إليه -تعالى- والقرب منه، فحين تحْدث له الردة -أعاذنا الله منها- فكأنه رجع عن الطريق الذي سلكه للوصول إليه -سبحانه وتعالى- فناسب أن يقال له مرتد ويسمى فعله بالردة.
فالردة إذن اسم شرعي وحقيقة شرعية تطلق على هذا النوع من الرجوع إطلاقًا حقيقيّّا بحيث لا نحتاج إلى التأكيد بأن هذا الاسم ومادته اللّغوية حقيقة في الرجوع عن الإسلام أو حقيقة لغويَّة في مطلق الرجوع، ونقلت لتكون حقيقة شرعيّة في الرجوع عن الدين واختصت بالرجوع عن دين الإسلام.

سائر الآيات المتقدمة، وهي كل ما ورد في القرآن المجيد في الردة والارتداد، لم تذكر أية عقوبة دنيويّة على ذنب أو جريمة الردة ولم تشر لا تصريحاً ولا على سبيل الإيماء إلى ضرورة إكراه المرتد على العودة إلى الإسلام، أو قتله إذا امتنع؛ وقد ذكر القرآن الكريم هذه الجريمة البشعة في سياقات عديدة ومختلفة تناول في بعضها الارتداد في دلالالته اللُّغوية، وبيَّن أنّه الرجوع مطلقًا إلى نقطة ثم تجاوزها، فكأن المرتد راجع على عقبيه بحيث ضيع كل آثار الجهود التي كان قد بذلها من قبل حين تجاوز نقطة المنطلق كادحًا إلى ربه ليلاقيه فإذا به يرجع، أو يرتد إلى حيث انطلق في الابتداء.

وفي سياقات أخرى وضعها القرآن في إطار الحقيقة الشرعيَّة ليحمِّلها المعاني الشرعيَّة، دون أن تفقد مادتها اللغويّة مرونتها واتساعها للدلالة على الرجوع إلى نقطة البدء والانطلاق، وإلغاء سائر الجهود التي بذلها المرتد -عندما أسلم- لتجاوز تلك النقطة، وإلغاء قيمة العمر والزمان الذي أنفقه في ذلك وهو يتجه إلى الإسلام، وقيمته، وسائر ما فعله فيه. وتعكس الردة كما يصورها القرآن حالة المرتد النفسية والعقلية التي أوصلته إلى الردة، وهي حالة أقلّ ما يقال فيها: إنها حالة قلق واضطراب وتيه وضلال شملت عقل المرتد ونفسه، واستولى عليه ذلك كله حتى جعله عاجزًا عن مواصلة السير والتقدم إلى الله -تعالى- ثم إلى الجنة، فرجع القهقرى؛ ولم يعد يعرف كيف يواصل السير حتى يدرك الغاية ويصل إلى الهدف، بعد أن عرف الطريق وقطع شوطًا. فهو إنسان بائس تعيس يستحق الرثاء، وهو غير جدير بالوفاء بالعهد الإلهيّ غير قادر على حمل الأمانة أو القيام بمهام الاستخلاف أو النهوض بمهمة الابتلاء فهو في قلق دائم، وتذبذب مستمر لا يمكنه من التعرض للابتلاء، أو حمل القيم، أو تحقيق المقاصد. وكأن الآيات الكريمة اعتبرت هذا المرتد أقل من أن يعاقب في الدنيا، أو يشرِّع الله -تعالى- له عقوبة دنيوية، فاضطرابه وقلقه وتذبذبه ولهاثه المستمر خوفًا من المجهول لا يجعله أهلاً أو موضعاً للعقوبة الدنيوية، فالحدود كفارات مطهِّرات فيها معنى التزكية والتطهر إضافة إلى التأديب، والمرتد غير جدير بشيء من ذلك في الدنيا: فالنار أولى به، وهو أولى بها؛ أما في دنياه فيكفيه عذاب القلق والتذبذب، وانعدام الأمن والاستقرار النفسي، وفقدان الاستقامة العقلية، والراحة والطمأنينة القلبية.

حرية الاعتقاد مقصد مهم من مقاصد الشريعة
تعد حريّة الإنسان قيمة من أبرز القيم العليا ومقصدًا من أهم مقاصد الشريعة، ولعل من أهم الأدوار التي يقوم بها الإيمان والتوحيد خاصة؛ تحرير الإنسان من عبادة العباد ومن الخرافة والوثنيَّة ووصله بالله -تعالى- بحيث لا يخاف إلا الله ولا يستعين بسواه، ولا يتوسل بغيره، بل يسلم وجهه بشكل كامل لله -تعالى-. ولتوكيد هذا المعنى، وتحرير الإنسان تحريرًا تامًا، نزلت آيات كثيرة تدعم هذه الحرية وتدافع عنها وتحميها وتعدها جوهر إنسانية الإنسان، إن فقدها فقد دوره في الكون والوجود. فتبدأ الآيات الكريمة التي جاوزت مائتي آية من آيات الكتاب الكريم بتصوير معنى العبودية الحقيقية لله -تعالى- والمقارنة بينها وبين عبادة ما سواه، وكأن الله -جل شأنه- يبين بذلك للإنسان أن عبوديته لله -تعالى- هي تحرير وتشريف وليست إذلالاً وإخضاعًا، فيقول تبارك وتعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ {73} فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ {74} ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ {75} وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {76} وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {77} وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:73-78] وقد اعتبر القرآن الكريم أهم أنواع الحرية التي تكفّل بضمانها للإنسان، وحض على المحافظة عليها، حريّة الاعتقاد، ثم حريّة التعبير، وسائر الحريّات الأخرى التي تحفظ للإنسان إنسانيته.

ولا نجد هذا العدد الكبير من الآيات التي نزلت في التأكيد على ضرورة المحافظة على حريّات الإنسان كلها إلا في القيم العليا كالتوحيد والتزكية والعمران وما ارتبط بها من مقاصد شرعيّة كالعدل والحريّة والمساواة ونحوها. فقد نزل القرآن العظيم بذلك العدد الكبير من الآيات؛ ليؤكد على حرية الإنسان خاصة في اختيار ما يعتقده، وعدم جواز إكراهه على تبنّي أيّ معتقد، أو تغيير معتقد اعتقده إلى سواه، وعلى توكيد أنّ العقيدة شأن إنسانيّ خاصّ بين الإنسان وربّه، فليس لأحد أن يُكره أحدًا على اعتقاد أو تغيير اعتقاده تحت أيّ ظرف من الظروف، وبأي نوع من أنواع الإكراه، ومنه استغلال حاجة الإنسان، أو تعريضه للإغراء المادي أو سواه.

سبب نزول "لا إكراه في الدين" ودلالاته
وأخذت حريّة العقيدة من اهتمام القرآن الكريم، وتحديدها كشأن خاص، وضمان حرية الاعتقاد للإنسان، كثيرًا من الآيات التي تضافرت على توكيد هذا الحق ووجوب حفظه للإنسان وحمايته من أي تدخل خارجي. وفي مقدمة هذه الآيات قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:256]. وقد ذكر السيد رشيد رضا في تفسير المنار سبب النزول الذي يساعد في تفسيرها بما لا يدع مجالاً لكثير من الأقوال التي زعمت نسخها أو فسرتها بما لا يتناسب وعمومها، فقال في بيان سبب النزول "روى أبو داود والنسائي وابن حبان وابن جرير عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاة [أي لا يعيش لها ولد] فتجعل على نفسها إن عاش لها أن تهوّده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل الله ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. وأخرج ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار من بني سالم يقال له: الحصين كان له ابنان نصرانيَّان، وكان هو مسلمًا فقال للنبيّ -صلى الله وعليه وآله وسلم- ألا أستكرههما فإنّهما قد أبيا إلا النصرانيّة؟ فأنزل الله الآية. وفي بعض التفاسير أنه حاول إكراههما فاختصموا إلى النبي -صلى الله وعليه وآله وسلم- فقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ ولم يأذن رسول الله -صلى الله وعليه وآله وسلم- له في إكراههما على الإسلام. ولابن جرير عدة روايات في نذر النساء في الجاهلية تهويد أولادهن ليعيشوا، وأن المسلمين بعد الإسلام أرادوا إكراه من لهم من الأولاد على دين أهل الكتاب على الإسلام فنزلت الآية، فكانت فصل ما بينهم. وفي رواية له عن سعيد بن جبير أن النبي -صلى الله وعليه وآله وسلم- قال عندما نزلت هذه الآية "قد خير الله أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وإن اختاروهم فهم منهم".

وفي التفسير قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله: "هذا هو حكم الدين الذي يزعم الكثيرون من أعدائه -أنّه قام بالسيف والقوة فكان يُعرض على الناس والقوة عن يمينه، فمن قبله نجا ومن رفضه حكم بالسيف فيه حكمه". فهل كان السيف يعمل عمله في إكراه الناس على الإسلام في مكة أيام كان النبي -صلى الله وعليه وآله وسلم- يصلي مستخفيًا، وأيام كان المشركون يفتنون المسلم بأنواع من العذاب ولا يجدون رادعًا حتى اضطر النبي -صلى الله وعليه وآله وسلم- وأصحابه إلى الهجرة؟ أم يقولون إن ذلك الإكراه وقع في المدينة بعد أن اعتز الإسلام، وهذه الآية قد نزلت في غرة هذا الاعتزاز؟ فإن غزوة بني النضير كانت في ربيع الأول من السنة الرابعة، وقال البخاري: إنها كانت قبل غزوة أحد التي لا خلاف في أنها كانت في شوال سنة ثلاث، وكان الكفار في مكة لا يزالون يقصدون المسلمين بالحرب. نقض بنو النضير عهدهم مع النبي -صلى الله وعليه وآله وسلم- فكادوا له، وهمّوا باغتياله مرتين وهم بجواره في ضواحي المدينة، فلم يكن بدٌّ من إجلائهم عن المدينة، فحاصرهم حتى أجلاهم، فخرجوا مغلوبين على أمرهم ولم يأذن لمن استأذنه من أصحابه بإكراه أولادهم المتهودين على الإسلام ومنعهم من الخروج مع اليهود. فذلك أول يوم خطر فيه على بال المسلمين الإكراه على الإسلام. وقال الأستاذ الإمام -رحمه الله- كان معهودًا عند بعض الملل -لا سيما النصارى- حمل الناس على الدخول في دينهم بالإكراه.

وهذه المسألة ألصق بالسياسة منها بالدين؛ لأنَّ الإيمان -وهو أصل الدين وجوهره- عبارة عن إذعان النفس، ويستحيل أن يكون الإذعان بالإكراه. وإنّما يكون بالبيان والبرهان ولذلك قال تعالى ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ أي قد ظهر أن في هذا الدين الرشد والهدى والفلاح والسير في الجادة على نور، وأن من خالفه من الملل والنحل على غيّ وضلال. وأكد القرآن اختصاص الباري -وحده- بحساب من يدعو معه غيره: فقال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:117] ويخاطب رسول الله -صلى الله وعليه وآله وسلم- ﴿لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:22] وقوله: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:45] وقوله ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد:40]. كما تأتي آيات كثيرة تبِّين لرسول الله -صلى الله وعليه وآله وسلم- عدم جدوى وسائل الإكراه وفرض الاعتقاد على الآخرين، وأن الله -تعالى- لو علم أنّ الإيمان يمكن أن يأتي بالإكراه لأمر رسله بإكراه الناس على الإيمان وقبول الإسلام، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام:107] وقوله تعالى ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:99] كما يبيِّن جل شأنه أنّ شأن العقائد أن لا تخضع للإكراه من أيّ نوع كان، حتى ذلك الذي يأتي من زاوية الحرص على المدعوّ والرغبة في إنقاذه، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:103] ولذلك فقد حثه على ممارسة الدعوة إلى الإيمان ونبذ الكفر بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن: فقال جل شأنه: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل:125].

من ذلك-كله- يتضح أنّ حريّة العقيدة في القرآن أحيطت بسائر الضمانات القرآنيّة التي جعلت منها حريّة مطلقة لا تحدها حدود ما دامت في إطار حريّة اختيار المعتقد، وأنّ الحساب عليها خاص بالله -جل شأنه- لا يجاوزه إلى سواه.

الكفر الأصلي والكفر بعد الإسلام
وقد يفرق قوم بين موقف القرآن الكريم من الاستمرار على كفر أصليّ لم يتحول صاحبه عنه وبين التحول من الإيمان إلى الكفر بعد الدخول فيه، فيوافق على كل ما أقره القرآن الكريم من حرية الأول، ويعارض في حريّة الثاني، فيقول تعالى: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ﴾ [البقرة:108] وقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:109] ويقول جل شأنه ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:217] ويقول سبحانه وتعالى ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {86} أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ {87} خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ {88} إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ {89} إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾ [آل عمران:86-90] إلى غير ذلك من الآيات التي تقدم ذكرها.

تؤكد كل هذه الآيات، وكثير غيرها: أن المرتد متوعَّدٌ بالعقاب الأخروي دون ترتيب عقوبة دنيويّة على فعله. ومن الآيات الصريحة في هذا قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ [النساء:137]. فكل هذه الآيات صريحة لم تذكر مرة واحدة حدًّا للردة أو عقوبة دنيويّة لها، لا إعداما ولا دون ذلك؛ لأنّ حاكميّة القرآن حاكميّة تخفيف ورحمة ، وحاكميّة تقرير لحريّة العقيدة وحمايتها وحفظها، وحاكمية تؤكد أن الإيمان والكفر شأن قلبيٌّ بين العبد وربه، وأنّ العقوبة على الكفر والردة بعد الإيمان إنّما هي عقوبة أخرويّة موكولة لله -تبارك وتعالى- وهو -سبحانه- صاحب الحق الأخير والأول في هذا الأمر، وأنّ أمر التوبة عن الردّة، والرجوع عنها بعد السقوط فيها، وقبولها وعدم قبولها، كل ذلك شأن إلهيٌّ بين الله وعباده لا شأن للحاكمين أو غيرهم فيه ما دام لم يقترن بشيء آخر.
على أن القرآن الكريم قد بيّن بآياته المعجزة بشاعة هذه الجريمة وخطورتها وما فيها من ظلم الانسان لنفسه، وتجاوزه لحدود إنسانيته، وتصديه بالردّة لممارسة أشد أنواع الظلم، وهو الشرك ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:13]. وأوضحت آيات الكتاب الحكيم أنّ من يقع فيها إنّما يتردى في حمأة الكفر، فجاءت هذه الآيات الكريمة تبيِّن بشاعة الردّة، ولكنّها لا تذكر لها عقوبة دنيويّة، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. [مريم:64].










الفصـل الخـامـس

السنّـة النبـويـة وقـتـل المـرتـدّ

































مقدمة الفصل

قبل الحديث عن السنن والأحاديث التي وردت في هذا الأمر نود أن نذكر بضرورةٍ دينيّة وبديهيّة إسلاميّة، وهي: أنّ القرآن المجيد مصدر منشئ لكل ما ورد فيه من عقيدة وشريعة ونظم ومبادئ وقواعد، وهو وحي من الله -تعالى- إذ هو كلامه. والسنّة النبويّة بيان للقرآن، واتّباع له، وتطبيق لما أمر القرآن به، لأنّه عليه الصلاة والسلام أرسل ليبيّن للناس ما نزّل إليهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم بالتأسّي به. فهناك فروق بين الكتاب والسنة من حيثيّات عديدة. فالقرآن العظيم مصدر منشئ للأحكام، والسنّة النبويّة الثابتة الصحيحة مصدر مبيّن لما ورد فيه على سبيل الإلزام، وأنهما دليلان متعاضدان، بينهما علاقة تكامل لا يمكن أن يأتي في أيًّ منهما ما يناقض الآخر أو ينافيه أو يكون على خلاف أو تعارض أو تضادٍّ أو تنافٍ مع ما جاء فيه، أو ما يعود على ما جاء فيه بنسخ أو إبطال، فإن النسخ أو الإبطال ليسا بيانًا بل هما إزالة وإلغاء؛ وهذا ما لا يقبل بحال.

لذا فهناك استحالة عقليّة واستحالة شرعيّة أن يأتي في السنّة النبويّة شيء يناقض مبادئ القرآن أو مناهجه بأيّ حال من الأحوال، فضلاً عن أن ينسخه. فما تقرر في القرآن تبيِّنه السنّة إذا احتاج الناس فيه إلى بيان؛ بالقول النبويّ، أو الفعل المقترن بالقول، أو الفعل المجرّد المبيِّن لكيفيّة التطبيق، أو التقرير، وتعضّده وتتكامل معه. وما تأتي به السنة لا يمكن إلا أن يكون بهذه المثابة، مبيّنًا للقرآن وموضِّحًا له ومتضافرًا مع مبادئه. كيف لا ومهمة رسول الله r إبلاغ الكتاب وبيانه بالشكل الذي حدّده الباري -سبحانه وتعالى- وتلاوته على الناس وتعليمهم إياه وتزكيتهم به.

وإذا كانت مبادئ القرآن الكريم ومنهجيّته المعرفية قد حدّدت بوضوح إطلاق حريّة الاعتقاد وأحاطتها بسائر الضمانات بما يقرب من مائتي آية، وجعلت جزاء الكافر أو المرتد لله -تعالى- وفي الدار الآخرة فلا يتوقع من السنّة أن تأتي على خلاف ذلك، خاصّةً وأنّ هذا الأمر لم يرد في آية واحدة، أو اثنتين، بل جاء بما يقرب من مائتي آية بيِّنة وكلها متضافرة على تأكيد حرية الاعتقاد.

ولقد شهد عهد رسول الله r مئات من أولئك الذين آمنوا ثم نافقوا أو ارتدوا. بل جاوزت ردَّتهم حد الأذى والائتمار برسول الله r وبالمسلمين والكيد لهم. ومع علم رسول الله r بهم، وما أوتي من سلطان، خاصّة في المدينة، لدفع أذاهم، فإنّه -عليه الصلاة والسلام- قد ترفّع تمامًا عن المساس بهم، لئلا يقال: "إن محمدًا يقتل أصحابه"، أو يفرض على الناس عقيدته، أو يكره الناس على دينه. ومن ذلك ما روي بشأن عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وابنه عبد الله من فضلاء الصحابة وخيارهم، وشهد بدرًا وأحُدًا والمشاهد كلها مع رسول الله r وكانت الخزرج قد أجمعت على أن يتوّجوا أباه عبد الله بن أبي ويملِّكوه أمرهم قبل الإسلام، فلما جاء النبي r رجعوا عن ذلك، فحسد النبي r وأخذته العزة، فأضمر النفاق، وهو الذي أخبر الله عن مقالته عقيب غزوة بني المصطلق ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون:8] فقال ابنه عبد الله للنبي r: هو والله الذليل، وأنت العزيز يا رسول الله، إن أذنت لي في قتله قتلته، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها أحد أبرُّ بوالده منّي، ولكنّي أخشى أن تأمر رجلاً مسلمًا فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي على الأرض حيًّا حتى أقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار. فقال النبي r "بل نحسن صحبته ونترفق به ما صحبنا، ولا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، ولكن برّ أباك وأحسن صحبته". فلما مات أبوه سأل ابنه عبد الله النبي r ليصلي عليه. قال: "جاء عبد الله بن أبيّ إلى رسول الله r حين مات أبوه فقال: اعطني قميصك يا رسول الله أكفنه فيه، وصلِّ عليه، واستغفر له، فأعطاه قميصه وقال: "إذا فرغتم فآذنوني." فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر وقال: أليس قد نهى الله -عز وجل- أن تصلي على المنافقين؟ فقال: أنا بين خيرتين ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فصلى عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ فترك الصلاة عليهم بعد ذلك.











المبحث الأول
وقائع الردّة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

الواقعة الأولى: المرتدّون بعد واقعة الإسراء والمعراج
هناك خلاف كبير بين أصحاب السير والمؤرخين حول تاريخ واقعة الإسراء والمعراج، حيث ذكر عدد منهم أنّها وقعت في عام الحزن الذي توفى فيه أبو طالب وخديجة -رضي الله عنها- وهو العام السادس من البعثة. وذهب آخرون إلى أنها وقعت قبل الهجرة بعام واحد، وعلى كل حال فقد أورد جمهور أصحاب السير والمؤرخين أنّه قد ارتد بعض من كان قد أسلم من قبل بعد أن ذكر رسول الله r ما حدث ليلة أسري به. وممن أورد ذلك ابن هشام في السيرة فيما رواه عن ابن إسحاق في حديث الحسن عن مسرى رسول الله r. قال: "فقال أكثر الناس: هذا والله الأمر البيِّن، والله إنّ العير لتُطرد شهرًا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرًا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة! قال: فارتد كثير ممن كان أسلم.." ولكن دون تحديد أو تسمية لأولئك المرتدين.

وروى الحاكم في المستدرك عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "لما أسري بالنبي r إلى المسجد الأقصى؛ أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر...".

وروى الإمام أحمد في المسند والنسائي في السنن الكبرى عن ابن عباس أنه قال: "أسري بالنبي r إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره وبعلامة بيت المقدس وبِعيرهم، فقال ناس: نحن لا نصدق محمدًا بما يقول، فارتدوا كفارًا، فضرب الله رقابهم مع أبي جهل...".أي: قاتلوا النبيّ والمسلمين في بدر في صفوف المشركين، فيما بعد، فقتل منهم من قتل.

مما يلاحظ أن كل الروايات التي أشارت إلى ارتداد طائفة ممن كان آمن وصدّق بالنبي r وبرسالته لم تذكر عدد من ارتد، ولم تورد أسماء بعينها، ولكن جاء الكلام مطلقًا. وكذلك فإن المفسرين لم يوردوا في آثارهم شيئًا من هذا القبيل عند كلامهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:60] وغاية ما ورد في ذلك ما ذكره الطبري عن قتادة قوله: "(وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ) يقول: أراه الله من الآيات والعبر في مسيره إلى بيت المقدس. ثم قال: ذكر لنا أن أناسًا ارتدوا بعد إسلامهم حين حدثهم رسول الله r بمسيره، أنكروا ذلك وكذّبوا به وعجبوا منه، وقالوا: تُحدثنا أنَّك سرت مسيرة شهرين في ليلة واحدة".

وختم الطبري الكلام في تأويل الآية ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ بقوله: "إلا بلاءً للناس الذين ارتدوا عن الإسلام لما أُخبروا بالرؤيا التي رآها رسول الله r، وللمشركين من أهل مكة الذين ازدادوا بسماعهم من رسول الله r تماديًا في غيّهم، وكفرًا إلى كفرهم". قلت: وهذه الأخبار -كلّها- أخبار آحاد في واقعة من أخطر الوقائع التي تستحق أن يرويها الجموع ذوو العدد.

الواقعة الثانية: ذكر من ارتد بعد الهجرة إلى الحبشة
عُبيد الله بن جحش، أبو جحش:
جاء في سيرة ابن هشام: "قال ابن إسحاق:.. وأما عبيد الله بن جحش، فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مُسلمةً، فلما قدمها تنصّر وفارق الإسلام حتى هلك هناك نصرانيًا.. قال: كان عبيد الله بن جحش حين تنصّر يمرُّ بأصحاب رسول الله r وهم هنالك في أرض الحبشة، فيقول: فقَّحنا وصأصأتم".

وقد أورد أصحاب التراجم والأنساب خبرَ ردّة عبيد الله بن جحش وكيف أنه تنصّر بأرض الحبشة بعد دخوله في الإسلام ومات على ذلك.

السكران بن عمرو
قال البلاذري في أنساب الأشراف: "السكران بن عمرو، هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية ومعه امرأته سودة بنت زمعة، ويقال: إنه هاجر في المرتين جميعًا، ثم إنه قدم مكة فمات قبل الهجرة، فدفنه رسول الله r، وَخُلِّفَ رسول الله r بعدُ على سودة بنت زمعة. وقوم يقولون: إنه مات بالحبشة مسلمًا. وقال قوم، منهم أبو عبيدة معمر: إنه قدم مكة ثم رجع إلى الحبشة مرتدًا أو متنصّرًا فمات بها".

الواقعة الثالثة: ردّة كاتب الوحي
كاتب بني النجار
روى البخاري عن أنس قال: (كان رجل نصرانيًا فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي r فعاد نصرانيًا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فِعلُ محمد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه).

وزاد مسلم (كان منّا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله r فانطلق هاربًا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه، قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد، فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم..).

عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري
روى أبو داود عن ابن عباس قال: "كان عبد الله بن أبي سرح يكتب لرسول الله r، فأزلّه الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله r" أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.

قال البلاذري: "وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فإنه أسلم وكان يكتب بين يدي رسول الله r فيملي عليه (الكافرين) فيجعلها (الظالمين) ويملي عليه (عزيز حكيم) فيجعلها (عليم حكيم) وأشباه هذا، فقال: أنا أقول كما يقول محمد وآتي بمثل ما يأتي به محمد، فأنزل الله فيه ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ﴾ [الأنعام:93] وهرب إلى مكة مرتدًا، فأمر رسول الله r بقتله، وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاع، فطلب فيه أشدّ طلب حتى كفّ عنه رسول الله r..". الخبر على خلاف ما تواتر واشتهر من الجمع بين الكتابة والقراءة في كل آيات القرآن الكريم. فإذا سلّم أنه يغير في كتابته، فهل كان يعرض ما كتب على أحد، وهل تنبّه إليه أحد قبل أن يعلن ذلك بنفسه؟ والخبر مع ذلك يدل على أن لا حدّ في الردة وإلا لما قبل رسول الله r فيه شفاعة عثمان، ولقال له مثل ما قال لأسامة في الشفاعة للسارقة المخزوميّة "أتشفع في حدًّ من حدود الله؟".

الواقعة الرابعة: من أهدر رسول الله r دمه بسبب أذاه وجنايته مع ردته
لما دخل رسول الله r مكة فاتحًا سنة ثمان للهجرة كان قد عهد إلى أمرائه ألا يقتلوا إلا من قاتلهم، وأراد أن تُفتح مكة سلمًا، إلا أنه قد عهد في نفر سماهم، أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم ستة نفر وأربع نسوة: عكرمة بن أبي جهل، وهبّار بن الأسود، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومقيس بن صبابة الليثي، والحويرث بن نُقيذ، وعبد الله بن هلال بن خَطَل الأَدرمي، وهند بنت عتبة، وسارة مولاة عمرو بن هشام، وقينتا عبد الله بن خطل: فرتنا، وقُريبة، ويقال أرنب. وذلك لما كان لهم من دور في تحريض المشركين على قتال المسلمين وصدهم عن سبيل الله. مِن هؤلاء مَن اقترن جرمه بالردة عن الإسلام، منهم:

مقيس بن صُبابة الليثي:
"وإنما أمر رسول الله r بقتله لقتله الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ ورجوعه إلى قريش مشركًا".

قال البلاذري: "وأما مقيس بن صبابة الكناني، فإن أخاه هاشم بن صبابة بن حزن أسلم وشهد غزوة المريسيع مع رسول الله r فقتله رجل من الأنصار خطأ، وهو يحسبه مشركًا، فقدم مقيس على رسول الله r فقضى له بالدية على عاقلة الأنصاري، فأخذها وأسلم ثم عدا على قاتل أخيه فقتله وهرب مرتدًا، وقال:
شفى النفسَ أن قد باتَ بالقاع مسندًا​يضرّج ثوبيه دماءُ الأخادعِ
(الأبيات).
فأمر رسول الله r من لقيه بقتله.. "، فهذا قاتل وخارج ضد أمته ومفارق للجماعة ومنضم إلى صفوف الأعداء، والردّة جرم، أما أمر رسول الله r بقتله فإنّه من قبيل "القَوَد" بمن قتل.

عبد الله بن خطل:
قال ابن إسحاق: "عبد الله بن خَطَل، رجل من بني تيم بن غالب. إنّما أمر بقتله أنّه كان مسلمًا، فبعثه رسول الله r مُصدِقًا وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه، وكان مسلمًا، فنزل منزلاً وأمر المولى أن يذبح له تيسًا فيصنع له طعامًا، فنام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركًا"، فهذا قاتلٌ كذلك، وردَّته فعل إضافيٌّ، وهو محارب لرسول الله r ومحرِّض على حربه وقتاله، وقاطع طريق، وخائن أمانة من المال العام، وسارق.

وأورد البلاذري ذكره ولم تختلف قصته عنده عن قصته عند ابن اسحاق كثيراً فقال: "أسلم وهاجر إلى المدينة، فبعثه رسول الله r ساعيًا على الصدقة، وبعث معه رجلاً من خزاعة، فوثب على الخزاعي فقتله. وذلك أنّه كان يخدمه ويتخذ له طعامًا، فجاء ذات يوم ولم يتخذ له شيئًا، فاغتاظ وضربه حتى قتله، وقال: إن محمدًا سيقتلني به، فارتدّ، وهرب، وساق ما كان معه من الصدقة وأتى مكة، فقال لأهلها: لم أجد دينًا خيرًا من دينكم. وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله r، ويدخل عليهما المشركون فيشربون عنده الخمر. فقال رسول الله r يوم الفتح: اقتلوه ولو كان متعلقًا بأستار الكعبة، فقتله أبو بَرزة الأسلمي..".

الواقعة الخامسة: نفر قبيلة عُكل
روى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم الأسدي حدثنا الحجاج بن أبي عثمان حدثني أبو رجاء من آل أبي قلابة حدثني أبو قلابة أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يومًا للناس، ثم أذن لهم فدخلوا، فقال: ما تقولون في قسامة؟ قالوا نقول: القسامة القَوَد بها حق، وقد أقادت بها الخلفاء. قال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونصبني للناس، فقلت يا أمير المؤمنين عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى، لم يروه، أكنت ترجمه؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق، أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا. قلت: فوالله ما قتل رسول الله r أحدًا قط إلا في إحدى ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام. فقال القوم: أو ليس قد حدَّث أنس بن مالك أن رسول الله r قطع في السَّرَق، وسمر الأعين، ثم نبذهم في الشمس؟ فقلت: أنا أحدِّثكم حديث أنس: أن نفرًا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله r فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض فسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله r قال: أفلا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من ألبانها وأبوالها؟ قالوا: بلى فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها، فصحّوا، فقتلوا راعي رسول الله r وأطردوا النعم. فبلغ ذلك رسول الله r فأرسل في آثارهم، فأُدركوا فجيء بهم، فأمر بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا. فقال عنبسة بن سعيد: والله إن سمعت كاليوم قط، فقلت: أتردّ عليّ حديثي يا عنبسة؟ قال: لا. ولكن جئت بالحديث على وجهه، والله لا يزال هذا الجند بخير ما عاش هذا الشيخ بين أظهرهم... قلت: الحديث آحاد في واقعة تتضافر الدواعي على رواية مثلها وإشهاره، خاصة إذا اشتملت العقوبة على تنكيل يبلغ هذا المستوى لأنّ هذا التنكيل إن حدث بكل هذه التفاصيل فإنما يكون لزجر من خلفهم وردعهم عن الجرأة على الدولة والجماعة والنظام، وكل ذلك يقتضي التواتر والاشهار، لأنّها جريمة من جرائم أمن الدولة في تعابير المعاصرين، وأي شيء أشد مما صنع هؤلاء؛ ارتدّوا عن الإسلام، وقتلوا، وسرقوا. وأخافوا وأرجفوا؟!

ونؤكد أن الحديث حديث آحاد في واقعة تشتد الدواعي لدى العرب خاصة على روايتها، وفيها المثلة التي نهى رسول الله r عنها، ورسول الله أرسل رحمة للعالمين، وشريعته شريعة تخفيف ورحمة ووضعٍ للإصر والأغلال. والرسول r ما كان ليعاقبهم بمثل ما فعلوا ولو على سبيل القصاص والمعاملة بالمثل؛ لأنه r نهى عنها. والقول بأنه نهى عنها بعد ذلك لا يجيب عن التساؤلات المذكورة، ولذلك فإن الحديث من الأحاديث المشكلة التي تحتاج إلى دراسة مستفيضة للسند كله، وللمتن، والله أعلم.

ظاهرة النفاق
كانت ظاهرة النفاق من الظواهر الشائعة في المدينة المنورة. ولم يكن المنافقون يَخفَون على رسول الله r فلهم سيماهم، ولهم طرائقهم في التعبير. ومواقفهم في المناسبات المختلفة كثيرًا ما تفضحهم، وتكشف عن خداعهم وكذبهم وزيف ما يدّعون من إيمان. وإذا قارنّا بين الكافر المجاهر بكفره، والمرتد الذي لم يخفِ ردته، فإنّ المنافق أخطر من هؤلاء -جميعًا- على الإسلام والمسلمين أفرادًا وجماعات. ولقد مارسوا كثيرًا من ألوان الإرجاف والإرهاب والدس والخداع، وأوقعوا أضرارًا لا يستهان بها بالجبهة الإسلاميّة الداخلية في بعض المواقف.وكشف القرآن المجيد عن صفاتهم في أوائل سورة البقرة، وأظهر خصائصهم النفسيّة، وأبرزهم باعتبارهم فصيلاً خطرًا لابد من كشف صفاته، وعلاماته، وتفويت الفرص عليه للنيل من رسول الله والمؤمنين. وبيّن في سورة آل عمران جانبًا هامًّا من صفاتهم، وطرائقهم في الكيد لرسول الله وللمؤمنين في المواقف الحرجة مثل معركة أحد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {156} وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ {157} وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ {158} فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ {159} إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ {160} وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ {161} أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخَطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ {162} هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ {163} لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ {164} أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {165} وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ {166} وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ {167} الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {168} وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ {169} فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {170} يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ {171} الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ {172} الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ {173} فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ {174} إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {175}﴾ [آل عمران:156-175]. وفي هذه الآيات الكريمة نلاحظ أن القرآن قد قدمهم بالذكر على أشد الناس عداوة للذين آمنوا (اليهود) للإشارة إلى أنّهم في مواقفهم تلك كانوا أخطر من اليهود المتآمرين على رسول الله r والمسلمين.

وقد أغرب ابن حزم فيما قاله في المحلّى حين قال: "..قال قوم: إنّ رسول الله r قد عرف المنافقين، وعرف أنهم مرتدّون، كفروا بعد إسلامهم، وواجهه رجل بالتجوير، وأنّه يقسم قسمة لا يراد بها وجه الله، وهذه ردة صحيحة، فلم يقتله. قالوا: فصحَّ أنه لا قتل على مرتد، ولو كان عليه قتل لأنفذ ذلك رسول الله r على المنافقين المرتدين". قال ابن حزم: "ونحن ذاكرون كل آية تعلق بها في أن رسول الله r عرف المنافقين بأعيانهم، ومبيّنون أنّهم قسمان: قسم لم يعرفهم قط r، وقسم افتضحوا، فعرفهم فلاذوا بالتوبة، ولم يعرفهم -عليه الصلاة والسلام- أنّهم كاذبون أو صادقون في توبتهم قط؛ فإذا بيّنا هذا بطل قول من احتج بأمر المنافقين في أنّه لا قتل على مرتد.." ثم سوَّد ما يزيد عن أربعين صفحة لتوكيد ما ذهب إليه من عدم معرفة رسول الله r المنافقين، أو أنّهم كانوا يبادرون إلى التوبة بمجرد أن يتكشف أمرهم له عليه الصلاة والسلام.

والعجب من صنيع أبي محمد في هذا الأمر، وتأكيده عدم معرفة رسول الله r بهم، مع أن كثيرًا من الآيات قد عرَّفت رسول الله بهم وبصفاتهم، وهناك أحاديث كثيرة تدل على أن رسول الله r يعرفهم بسيماهم، ويعرفهم في لحن القول، وكان يُعرِّف حذيفة وبعض الصحابة الآخرين بنفاق بعضهم. وهبْ أنه لا يعرف بعضهم، فماذا عن الذين عرفهم وحين اقُترح عليه قتلهم رفض عليه الصلاة والسلام، وقال: لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟ وحين عرض عليه ابن زعيم المنافقين ابن أبي سلول قتل أبيه، قال: بل نبرُّه ونحسن إليه.

ولا أظن ما فعله أبو محمد إلا هفوة كبيرة في نسبته إلى رسول الله r الجهل بهم. وهي نسبة لا تُقبل من مثله، ولا تفوت على من في مقامه، كهفوته -رحمه الله- في دعوى نسخ "لا إكراه في الدين" وهو يعلم أنها جارية مجرى الخبر لا يمكن نسخها حتى عند القائلين بالنسخ. كما أنه لو سلمنا بالنسخ، فإننا لا نستطيع بأن نسلم أن يُنسخ جزء من الآية ويُبقى على الأجزاء الأخرى، ولكنها هفوة من أبي محمد، وهفوات الكبار على أقدارهم.

إن الله -تبارك وتعالى- قد أمر الرسول الكريم بجهاد الكفار والمنافقين، فهل يُؤمر بجهاد من لا يعرف. قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ {73} يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ {74}﴾ [التوبة:73-74]. والآيات التالية لهاتين الآيتين تتم معناهما وتبرز المنافقين بحيث يصعب أن يُقال أو يُدَّعى أنهم غير معروفين له عليه الصلاة والسلام.

وجاء في سورة المنافقون وهي السورة الثامنة عشرة نزولاً في المدينة ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ {1} اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ {2} ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ {3} وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ {4} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ {5} سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ {6} هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ {7} يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ {8}﴾ [المنافقون:1-8].

ولا يمكن بعد هذه الآيات أن يُقال إن رسول الله r لم يقتل المنافقين لأنه لم يعرفهم. بل إن آحاد الصحابة كانوا يعرفونهم ويعرفون أسماءهم وأنسابهم وأساليبهم في الكيد للإسلام والمسلمين. وقد نص الله -تبارك وتعالى- على أنَّهم "هم العدو فاحذرهم" فكيف ينص جل شأنه على ذلك ويحذّر منهم كل ذلك التحذير ويقال -بعد ذلك- لا يعرفهم عليه الصلاة والسلام.

إن عبد الله بن أبيًّ والذين رموا أمَّنا عائشة -رضوان الله عليها- ببهتانهم كانوا معروفين بعدائهم. وقد روى البخاري بسنده أن عمر قام فقال: يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق، بعد أن قال قولته المشهورة "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزُّ منها الأذلّ" فقال له النبي الله r: دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. وقد أورد ابن كثير في تفسيره رواية أخرى في المعنى نفسه، حيث قال إن النبي بعد عودته إلى المدينة قال لعمر: والله لو قتلته يومئذ لأرغمت أنوف رجال لو أمرتهم اليوم بقتله لقتلوه، فيتحدث الناس أني وقعت على أصحابي فأقتلهم صبرًا.

كل ما تقدم يؤكد أنه ليس هناك حد شرعيّ شرعه الله -تعالى- ليُقتل بمقتضاه كل من كفر بعد إيمان، وأن القرآن الكريم وفعل النبي r تطبيقًا له لا يمكن أن نجد فيهما أيّة إشارة إلى أنّه عليه الصلاة والسلام قد علم أنّ الله قد وضع للردة حدًا في كتابه، إذ لو وجد ذلك لما تردّد رسول الله r في تطبيق ذلك الحد وإنفاذه. وهو الذي أعلن في موضوع السرقة أنّه لا شفاعة لأحد في حد من حدود الله، وأقسم أنّه لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع يدها وأنفذ فيها الحكم.

كما أن العلماء اتفقوا على أن السنن التي تحمل عقوبات فيها إتلاف النفس أو عضو من أعضاء الإنسان لا تقبل إلا إذا جاءت تلك السنن بياناً لكيفيّة تطبيق العقوبة المذكورة في كتاب الله تعالى وقامت على أساس منه؛ وذلك لعموم الأدلة القرآنيّة القاطعة في حفظ النفس والأعضاء، فلا تعارض بمثلها، ولا معارض!! ثم إنّ مهمة النبي r إبلاغ الكتاب المنزل وبيانه واتباع ما فيه.

وحين رأى الفقهاء أن القرآن ليس فيه ما يمكن اعتباره حدًا شرعيًا، وأن السنة النبويّة لا تحمل من ذلك شيئًا -خاصة العمليّة- وكذلك القوليّة فيما يتعلق بما تقدم، وأنّ حريّة الاعتقاد قيمة عليا من قيم الإسلام ثابتة بما يقرب من مائتي آية كريمة، فقد لجأوا إلى حديث قوليّ مرسل، وآثار لا يخلو شيء منها من مقال ليعززوا بها ما ذهبوا إليه واعتبروه مستند إجماع على وجوب قتل المرتد. وأقوى ما قدموه في هذا السبيل حديث مرسل سنناقشه فيما يأتي.

ما ورد في شروط صلح الحديبيَّة
ورد في نص شروط صلح الحديبية الذي عقده رسول الله r مع قريش في آخر سنة ست من الهجرة ما يلي: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيلَ بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنَّه من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليِّه رده عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وإن بيننا عَيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه" زاد ابن سعد في الطبقات الكبرى: "وأن محمدًا يرجع عنَّا عامه هذا بأصحابه ويدخل علينا قابلاً في أصحابه فيقيم بها ثلاثًا، لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاحَ المسافر؛ السيوف في القُرب".

فمما نلحظ هنا أنه ورد في ضمن ما ورد من شروط الصلح بند ينص "على أنه من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليِّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع محمد لم يردّوه عليه." وما كاد حِبر عقد الصلح أن يجف حتى جاء معسكر المسلمين أبو جندل ابن سهيل بن عمرو مسلمًا فارّا بدينه من مكة إلى جماعة المسلمين، فاعتذر رسول الله عن قبوله بعد أن أمضى عقد الصلح معهم، وكان فيما قال له عليه الصلاة والسلام: "يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا، عهد الله، وإنا لا نغدر بهم". وكان هذا التصرف منه -عليه الصلاة والسلام- ترجمة واقعيّة عن مدى جديّة التزامه والمسلمين بمحتوى الشطر الأول من البند المذكور، وإن كان على حساب طائفة آمنت بالله ورسوله ورغبت أن تنضم إلى صفوف المسلمين في المدينة. وقد ألمح رسول الله r إلى هؤلاء المستضعفين وأمثالهم أن يفرُّوا بدينهم إلى غير المدينة، كما حصل مع أبي بصير عتبة بن أسيد الذي اتخذ من العيص من ناحية ذي المروة على طريق الساحل منزلاً، فجعل المستضعفون ممن أسلم من أهل مكة يلحقونه حتى اجتمع منهم قريب من سبعين رجلاً. ومن جانب آخر -وهو موضع الشاهد هنا- أنه r أمضى في الشطر الثاني من هذا البند شرطًا يُفهم منه ضمنًا موافقته r على ترك من ارتد عن الإسلام ورغب في اللحوق بمعسكر المشركين من قريش من دون ملاحقة أو مطالبة. وقد يُشكل فهم هذا الأمر على من اعتقد وجوب قتل المرتد، حيث إنه بموافقته r على ترك من ارتد عن الإسلام إلى قريش من دون إقامة حد الردة عليه يكون قد أهمل تنفيذ حكم يُظن أنه من الحدود الشرعية. وحاشا لرسول الله r أن يوافق على إمضاء عقد فيه تجاوز لحدود الله. ومما يزيد من جدية الأمر أن هذا العقد اتخذ شكل معاهدة سياسيّة موثّقة لها حكم نافذ مدة عشر سنين، ويترفّع أي مسلم مؤمن بنبوّة محمد عن القول بأنّه r رغب في تحقيق مكاسب سياسيّة أو دعويّة في مقابل التنازل عن إقامة حد من حدود الله -تعالى.

ولقائل أن يزعم أنّه r لم يتفق على ذلك، وإنّما كان مراده أنّه من هرب فارّا مرتدًا من معسكر المسلمين إلى قريش فليس لرسول الله r أن يطالب به حتى يقيم عليه الحد. وهذا زعم مقبول لو كان نص العقد يؤيده، وليس كذلك. فعبارة العقد تقول: "ومن جاء قريشًا ممن مع محمد لم يردوه عليه" فهي لا تنص على شكل المجيء أو الإتيان، وعليه فهي تحتمل الخروج إلى معسكر قريش بشكل معلن حر، كما تحتمل الفرار والهرب كذلك. ومهما يكن من أمر فإنّه r لو حبس من ارتد عن الإسلام وأراد الخروج إلى قريش لكان ناقضًا للعقد، مستحلاً للشروط.

وقد يورد بعضهم -هنا- مسألة تاريخ تشريع حد الردة، وأنه إنما شُرع بعد إمضاء صلح الحديبيّة، وهذا زعم ينقلب على مدعيه، فليس ثمة دليل تاريخيٌّ واضح يبيّن زمن تشريع هذه العقوبة، ويكمن جواب هذ المسألة في بيان حكم الشريعة فيمن ارتد عن الإسلام كما سيتبين القارئ لاحقًا إن شاء الله.

هل قتل رسول الله r مرتدًا؟
إن من الثابت المستفيض أنه r لم يقتل مرتدًا طيلة حياته الشريفة. قال الشافعي: (ما ترك رسول الله r على أحد من أهل دهره لله حدًا، بل كان أقوم الناس بما افترض الله عليه من حدوده، حتى قال في امرأة سرقت فشُفِع لها: "إنما أهلك من كان قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد". قال الشافعي: "وقد آمن بعض الناس ثم ارتد، ثم أظهر الإيمان، فلم يقتله رسول الله r". قال البيهقيّ: "روينا هذا في عبد الله بن أبي السرح حين أزلّه الشيطان فلحق بالكفار، ثم عاد إلى الإسلام، ورويناه في رجل آخر من الأنصار". وذلك ينفي وجود أيّ دليل فعليّ يدل على أن رسول الله r قتل أحداً بالردّة طيلة حياته الشريفة. ولو علم عليه الصلاة والسلام أنّه مأمور بقتل من يرتد عن دينه، وأن ذلك حكم الله، لما تردّد في إنفاذ ذلك الحكم لأي سبب من الأسباب. وأما الوقائع التي ذكرت، فإنّها وقائع اجتمعت فيها جرائم عديدة كما ذكرت، وكانت الردة بمثابة التناهي بإعلان الخروج على الجماعة ومعاداتها.

وقال ابن الطلاع في أحكامه: "لم يقع في شيء من المصنفات المشهورة أنه r قتل مرتدًا ولا زنديقًا".
المبحث الثاني
في السنّة القوليّة

السنن القولية وآثار الصحابة
قد عرضنا في المبحث الأول من هذا الفصل لوقائع الردة التي حدثت في عصره r وبيّنّّا كيف تعامل رسول الله r مع كل منها، وقد خرجنا من ذلك بالنتيجة التالية:

​أن مما ثبت واستفاض واشتهر عنه -عليه الصلاة والسلام- أنّه ما قتل مرتداً طيلة حياته الشريفة وقد أكد الإمام الشافعي ذلك بقوله: "... وقد آمن بعض الناس ثم ارتد، ثم أظهر الإيمان فلم يقتله رسول الله r وأنّه لم يقع في شيء من المصنّفات المشهورة أنّه r قتل مرتدًا ولا زنديقًا.

أما في الأحاديث القوليّّة المرويّة فإنّنا نجد أحاديث آحاد ورد فيها الأمر بقتل المرتد. من أبرز تلك الأحاديث وأشهرها بين الفقهاء خاصة، وعليه اعتمد جمهورهم، حديث "من بدَّل دينه فاقتلوه". وهو حديث اشتهر بعد الصدر الأول، أما قبل ذلك فهو حديث آحاد يعد في المراسيل. وهو حديث له ارتباط وثيق بمؤامرة يهود التي ذكرها القرآن المجيد في قوله تعالى: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:72] وسنبيّن ذلك فيما يأتي إن شاء الله.
ويعضِّد هذا الذي ذكرنا ويعززه ويقويه ما رووه من حديث معاذ بن جبل، أخرج أحمد في مسنده (5/231) عن أبي بردة قال: قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن، فإذا رجل عنده، قال: ما هذا؟ قال: "رجل كان يهوديًا فأسلم، ثم تهود، ونحن نريده على الإسلام منذ-قال أحسبه- شهرين. فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه. فضربت عنقه". فقال: "قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه". أو قال: "من بدل دينه فاقتلوه".

هنا نستطيع أن نلحظ الارتباط الوثيق بين الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:72] فالرجل يهوديٌّ من هؤلاء المتآمرين، ومع ذلك فقد أعطي فرصة للتوبة والتراجع والإقلاع عن جريمته شهرين وإسناده صحيح على شرط الشيخين.

هذه هي الرواية التي تصلح أن تكون بيانًا لآية سورة آل عمران المتقدّمة وعليها ينبغي أن يحمل كل ما يمكن تصحيحه من طرق حديث "من بدّل دينه فاقتلوه"، لا على تلك القصّة المضطربة التي نسبوها إلى الإمام علي -كرم الله وجهه ورضي عنه- التي سنأتي إلى بيانها وبيان ما فيها تفصيلاً. وذلك أن كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف، وغيرهما من قيادات يهود، كانوا قد جربوا كل الوسائل والمكائد في حرب القرآن والنبيّ r فلم يفلحوا في النيل من أي منهما بشيء. وحين شعروا بأن بعض أحبار يهود مازالوا يتداولون حوارًا حول وفد يهود الذي ضم السبعين الذين اختارهم موسى لموعده مع ربّه في الجبل؛ ذلك الموعد الذي سجلته آيات سورة الأعراف في الآيات (155- 158) ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ {155} وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ {156} الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {157} قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وهي المناسبة التي سأل موسى الله -تبارك وتعالى- فيها تخفيف الشريعة عن بني إسرائيل ونفي شرائع النكال والإصر والأغلال عن بني إسرائيل، ليتمكنوا من حسن تطبيق الشريعة، فأجابهم -سبحانه وتعالى- بأن تخفيف الشريعة مرتبط بنسق آخر غير النسق التي ارتبطت به شريعة بني إسرائيل بخصائصها القائمة على عطاء استثنائي خارق، وتسع آيات بينّات، وعقاب خارق، وحاكميّة إلهيّة في أرض مقدَّسة وشعب مختار، وأن من أراد التمتُّع بشريعة التخفيف والرحمة فليس أمامه إلا انتظار النبيّ الخاتم بنسقه القائم على ختم النبوة، وحاكميّة الكتاب-الذي يمثل الآية الكبرى للنبي الخاتم.

فبدأ هؤلاء القادة اليهود يعملون على استباق الأمور، ويضيفون إلى وسائلهم وسيلة شيطانيّة جديدة يؤكدون فيها على يهود ضرورة التزامهم بدينهم، ومقاومة سائر إغراءات التحوُّل عنه، وعدم الالتفات إلى بشائر التوراة بالنبيّ الخاتم؛ بل والعمل على النيل منه ومن رسالته بكل الوسائل: ﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ {69} يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ {70} يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {71} وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ {72} وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {73} يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ {74}﴾ [آل عمران:69- 74] فإذا أمر رسول الله r بقتل من يبدل دينه لتحطيم الجبهة الداخليّة، وزعزعة ثقة المسلمين بدينهم، خاصّة من هم حديثو عهد بالإيمان والإسلام، وللإرجاف في المدينة والكيد للمسلمين، فذلك أمر في غاية العدل ولا يمكن أن تسمح أية أمّة بالنيل منها بهذا الشكل، فإذا أدرك اليهوديُّ الذي يأمره المتآمرون بدخول الإسلام وجه النهار ليكفر آخره بأنّه لن يستطيع أن يخرج بمثل اليسر والسهولة التي دخل بها الإسلام فإنّه سوف يتردد ألف مرة قبل أن ينضم إلى هؤلاء المتآمرين.

﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا {60} مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا {61} سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الاحزاب:60-62].
ولعل هذه الآيات الكريمة تعزز ذلك التوجُّه نحو إيقاف هذا النوع من التآمر على جبهة الأمة الداخلية ومحاولة تمزيقها، فيكون الرسول عليه الصلاة والسلام إذا صحّ عنه حديث "من بدل دينه فاقتلوه" قد أراد به هذه الحالة، لأنّ من الثابت المستفيض أنَّه r لم يقتل مرتدًا طيلة حياته الشريفة. قال الشافعي: (ما ترك رسول الله r على أحد من أهل دهره لله حدًا، بل كان أقوم الناس بما افترض الله عليه من حدوده، حتى قال في امرأة سرقت فشُفع لها: "إنما أهلك من كان قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد"). قال الشافعي: "وقد آمن بعض الناس ثم ارتد، ثم أظهر الإيمان فلم يقتله رسول الله r". قال البيهقي: "روينا هذا في عبد الله بن أبي السرح حين أزله الشيطان فلحق بالكفار، ثم عاد إلى الإسلام، ورويناه في رجل آخر من الأنصار".

آثار عمر بن الخطاب
1. أخرج مالك في الموطأ (2/211) عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري عن أبيه أنّه قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى الأشعري، فسأله عن الناس، فأخبره، ثم قال له عمر: هل كان من مغرِّبة خبر؟ فقال: نعم رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قرّبناه، فضربنا عنقه، فقال عمر: أفلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله؟!! ثم قال عمر: اللهم إنيّ لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني.
2. وأخرج ابن عبد البر في التمهيد (5/307) من وجه آخر عن عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا خلف بن القاسم ثنا بن أبي العقيب ثنا ابن أبي زرعة ثنا أحمد بن خالد ثنا محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري عن أبيه قال: "قدم وفد أهل البصره على عمر فأخبروه بفتح تُستُر، فحمد الله ثم قال: هل حدث فيكم حدث، قالوا لا والله يا أمير المؤمنين، إلا رجل ارتد عن دينه فقتلناه. قال: ويلكم أعجزتم أن تطبقوا عليه بيتًا ثلاثًا، ثم تلقوا إليه كل يوم رغيفًا، فإن تاب قبلتم منه، وإن أقام كنتم قد أعذرتم إليه. اللهم إني لم أشهد ولم آمر ولم أرض إذ بلغني.
3. وأخرج البيهقي (8/207) عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن أنس بن مالك: لما نزلنا على تُستر فذكر الحديث في الفتح (الاختصاص من البيهقي)، وفي قدومه على عمر بن الخطاب. فقال: يا أنس، ما فعل الرهط الستة من بكر بن وائل الذين ارتدوا عن الإسلام فلحقوا بالمشركين؟ فأخذت به في حديث آخر ليشغله عنهم، فقال: ما فعل الرهط الستة الذين ارتدوا عن الإسلام فلحقوا بالمشركين من بكر بن وائل؟ قال: يا أمير المؤمنين قتلوا في المعركة. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال: لأن أكون أخذتهم سلمًا أحب إلي مما طلعت عليه الشمس من صفراء وبيضاء. قلت: وهل كان سبيلهم إلا القتل؟ قال: نعم، كنت أعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا أستودعهم السجن.
4. وعلقه ابن عبد البر في التمهيد (5/307- 308) عن داود بن أبي هند به، وأوله عنده: أن نفرا من بكر بن وائل ارتدوا عن الإسلام يوم تستر، ولحقوا بالمشركين.. وفيه: قلت: وهل كان سبيلهم إلا القتل: ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين. قال: كنت أعرض عليهم أن يدخلوا في الباب الذي خرجوا منه، فإن فعلوا قبلت منهم؛ وإلا استودعتهم السجن.
5. وأخرجها ابن حزم (13/124) قال: أخبرنا عبد الله بن ربيع بن عبد الله بن محمد بن عثمان بن علي بن عبد العزيز بن الحجاج بن المنهال، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا داود بن أبي هند عن الشعبي عن أنس بن مالك: أن أبا موسى الأشعري قتل جحينة الكذاب وأصحابه. قال أنس: فقدمت على عمر، فذكر نحو رواية البيهقي السابقة.
​والروايات يفسر بعضها بعضًا كما هو مقرر.

حديث "من بدّل دينه فاقتلوه" وبعض المشكلات المتعلقة به
والحديث كما ترى، عندما نهيمن بالقرآن عليه ونربطه بمحكم آياته، لا تكون فيه أيّة مشكلة، ولكن حين تورد رواياته -بعيداً- عن القرآن المجيد، ويربطها بعض الرواة للحديث بوقائع أخرى، فذلك قد يجعله غير مفهوم في كثير من تلك الطرق والروايات، إضافة إلى المشاكل التي لاحظها المحدثون في طرقه وأسانيده ومتنه. والحديث مرتبط بتلك القصص، قد روي من حديث ابن عباس وعائشة. كما روي من حديث معاذ بن جبل وأبي هريرة وعصمة بن مالك الخطمي وعبد الله بن عمر. وقد اختلفت القصص التي روي فيها الحديث اختلافًا شديدًا. والحديث روي عن ابن عباس من طريقين: طريق عكرمة، وطريق أنس بن مالك. أما طريق عكرمة فمداره على أيوب بن أبي تميمة السختياني، وعنه اشتهر الحديث، حيث رواه عن أيوب حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وعبد الوارث بن سعيد، ووهيب بن خالد، ومعمر بن راشد، وسعيد بن إياس الجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وجرير بن حازم، وإسماعيل بن إبراهيم بن عُليَّة. ومع أن هؤلاء من الرواة الثقات، لكن ذلك لا يخرج هذا الحديث عن كونه حديث آحاد بل هو مرسل -كما نبهنا-؛ لأنّ التواتر أو الاشتهار أو الاستفاضة لا يتصف الحديث بشيء منها إذا حدث له ذلك بعد عصر الصحابة الذين رووه.

كما أن الحديث قد روي مرسلاً، وجرى في بعض طرقه تدليس، مع أن الواقعة المشار إليها اختلف رواتها اختلافًا كبيرًا فمن قائل: إن أمير المؤمنين عليَّا أمر -أولاً- بقتلهم، ثم ألقى جثثهم في النار، ومن قائل: إنّه أمر بأن يدخّن عليهم لعلهم يرجعون؛ مع أنَّ واقعة مثل هذه لابد أن يشهدها، ويروي أخبارها، الآلاف، خاصّة وأن أمير المؤمنين كما كان له موالون وأنصار فقد كان له أعداء وخصوم كثرٌ ما كان يعجزهم أن يستغلوا هذه الواقعة -لو صحت- للتشهير به، وبيان أنّه يعذِّب الناس بعذاب الله، ولربما اتّهموه -رضى الله عنه- بدعوى الألوهيّة لأنّه عذَّب بعذاب الله. كيف وقد رووا أنّه قد استدرك عليه أقرب الناس إليه؛ ابن عمه عبد الله بن عباس -رضي الله عنهم- أجمعين.

كما أن الحديث روي بطرق بعضها صححه بعض المحدّثين، وفي بعضها إرسال، وفي بعضها انقطاع، وفي بعضها تدليس، وفي بعضها اضطراب كما أشرنا. وهذه أمور لا تقبل في واقعة عظيمة مثل هذه لم تقع في عهود من سبقوا أمير المؤمنين عليًّا، ولا في عهود مَن جاؤوا بعده.

والقصة مرة تقول: إن هؤلاء الذين أحرقهم أمير المؤمنين عليّ -كرم الله وجهه- كانوا من الزنادقة. وفي طرق أخرى كانوا من الزط، وفي روايات أنّهم اتخذوا صنمًا في دار لأحدهم، وأخذوا يعبدونه، ولما أخبر أمير المؤمنين بذلك مشى إليهم، فأخرجوا له تمثالاً من رخام، فأمر بأن تلهب عليهم الدار.

وتأتي القصة -أيضًا- بشكل أن مجموعة من الناس جاؤوا أمير المؤمنين ووقفوا على باب المسجد، وهم يقولون: "عليٌّ ربنا" فخرج عليهم، فقال: ويلكم ما تقولون؟ فقالوا: أنت هو، أنت ربنا وخالقنا ورازقنا. فقال لهم: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم ...الخ ثم تقول القصة: إنّه أطلقهم!! وطلب منهم التوبة وأن يرجعوا إليه غدًا تائبين، فلم يتوبوا فأمهلهم يومًا ثالثًا، ثم حفر لهم أخدودًا، قيل: فضرب أعناقهم، ثم ألقاهم في الأخدود لتحرق جثثهم وهم أموات. ولم يذكر في هذه الرواية عددهم، ولا أيّ شيء عن انتماءاتهم أو البلدان أو القبائل التي ينتمون إليها، أو التي جاؤوا منها !! وهذه أمور غير مألوفة في ذلك العصر في وقائع أقل شأنًا من هذه بكثير لو صحت، إلى غير ذلك ممّا سيأتي.

آفة تقديم الحديث على القرآن
ولكي يتبيَّن للباحثين وأهل الذكر أن من أخطر ما أصبنا به، أو أصاب فقهنا، مرض تقديم الحديث عمليًّا وواقعيًّا على صريح القرآن المجيد، وتحويله من مرتبة البيان للقرآن -الذي من شأنه أن يكون تابعًا للمبيّن، يدور معه حيث دار، إلى مرتبة المساواة بالقرآن أو الموازاة له، ثم الهيمنة على القرآن الكريم والقضاء عليه أو الحكم عليه كما روي ذلك عن الأوزاعي، ولذلك فقد رأينا أن نورد الحديث بكل طرقه ومتابعاته وشواهده وأقوال العلماء فيه لنرى كيف ذهبوا به المذاهب، وأخرجوه من دائرة البيان للقرآن الكريم إلى دائرة الهيمنة عليه والحكم بما لم يرد القرآن المجيد به، رغم كل ما فيه، ورغم تعلُّقه بإزهاق الأنفس الذي احتاط القرآن الكريم جدًا لها ولم يتساهل في قتلها، أو الحكم بإزهاقها إلا بدليل قطعيّ في ثبوته ودلالته. كيف وهذا فيه إضافة إلى زيادة حكم لم يرد في القرآن، فإنّ الأخذ به بإطلاق يؤدي إلى ما لم يقل به أحد، وهو نسخ أو إيقاف العمل بما يقرب من مائتي آية من الآيات الكريمة التي نصت وتنص على إطلاق حرية الاعتقاد وتنفي الإكراه على الدين!!؟ وعدم ترتّب أيّ عقوبة على مبدّل دينه في الدنيا (إذا لم يرتكب جرائم أخرى)؛ بل يكون الحكم بالعقوبة على الردّة المجرّدة لله -وحده- في حق هو أول حقوقه -تعالى- على عباده، والظلم فيه موجه من المرتد، نعوذ بالله، إلى ربِّه ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:13] فهو -جل شأنه- من يتولى جزاءه لا أحد سواه.

الحديث وطرقه عند مورديه
ولنبدأ بما قاله ابن عبد البر (وهو المحدث والفقيه: ت 463هـ) يقول: "القتل بالردة لا خلاف بين المسلمين فيه، ولا اختلفت الرواية والسنّة عن النّبيّ r فيه." (التمهيد 5/318). هذا تعميم في حاجة إلى كثير من النظر بعدما كل ما عرفت وستعرف مما قيل في الحديث.

وقال الزيلعي الحنفي في نصب الراية (3/456) في الحديث: روي من حديث ابن عباس، ومن حديث معاوية بن حيدة، ومن حديث عائشة.
قلت: وقد روي -أيضًا- من حديث:
معاذ بن جبل وأبي هريرة وعصمة بن مالك الخطمي وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم. كما روي أيضا عن الحسن وزيد بن أسلم مرسلاً.
كما روي عن ابن عباس من طريقين: طريق عكرمة، وطريق أنس بن مالك.
1. أما طريق عكرمة: فمداره على أيوب بن أبي تميمة السختياني، وعنه اشتهر الحديث. وقد تابع أيوب على عكرمة: قتادةُ بن دعامة والحكمُ بن أبان إن كانت متابعتهما ثابتتين.
2. وأما طريق أنس بن مالك: فمداره على قتادة بن دعامة -أيضًا- وعنه اشتهر الحديث.
وقد قال ابن عبد البر في التمهيد (5/304): "الحديث معروف ثابت، مسند صحيح من حديث ابن عباس". قلت: وسترى ما فيه بالرغم من توكيدات أبي عمر هذه التي لا نجد لها مسوّغًا إلا أن الحديث يعزّز مذهبه في المسألة!!

هنا سنرى كيف يدور الحديث على واحد ثم يرويه عن الواحد جمع فينتشر ويشتهر، وقد تنسى أو تتجاهل -بعد الاشتهار- بعض علله.

الطريق الأول: طريق عكرمة عن ابن عباس
ومداره -كما ذكرنا- على أيوب بن أبي تميمة السختياني الذي اشتهر الحديث بروايته لجمع هم: حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وعبد الوارث بن سعيد، ووهيب بن خالد، ومعمر بن راشد، وسعيد ابن إياس الجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وجرير بن حازم، وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية.

وعكرمة هذا مولى لابن عباس سمع منه ونقل عنه ما قاله وما لم يقله خاصة في التفسير. وقد بقي عبداً لابن عباس حتى ورثه عنه أبناؤه بعد وفاته، ثم باعوه أو أعتقوه. وقد اتهمه عليّ بن عبد الله بن عباس بالكذب على أبيه فجعل في يديه وقدميه القيود، وحبسه على باب الحشر -الكنيف- فسئل عن ذلك، فقال عليّ: إنّ هذا الخبيث يكذب على أبي. وقد جرّحه ابن سيرين وقال فيه: "إنّه كذاب". وقال عنه ابن أبي ذئب: "ليس يحتج بحديثه ويتكلم الناس فيه". وقال سعيد بن جبير فيه: "إنكم لتحدثون عن عكرمة بأحاديث لو كنت عنده لما حدّث بها" وكان سعيد بن المسيّب يحذره ويحذِّر منه ويقول: "لا ينتهي عبد ابن عباس حتى يلقى في عنقه حبل ويطاف به". وكان سعيد كثيراً ما يقول لمولاه برد: "لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس". وكان ابن عمر يقول لمولاه نافع: "لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس".

وقد أخذ على البخاريّ روايته عنه، قال ابن الصلاح: "...احتج البخاريّ بجماعة سبق من غيره الجرح لهم كعكرمة مولى ابن عباس...".

وكان مسلم يتجنَّب الرواية عنه فيما ينفرد فيه. وأعرض مالك عن الرواية عنه إلا حديثاً واحداً كما ذكر أحمد بن حنبل. وكان مالك يكره أن يذكر عكرمة.

والذي حمل هذا الحديث عن عكرمة أحد الزهاد المشاهير وهو أيوب السختياني -أبو بكر بن تميمه- وكان حسن الظن بعكرمة كثير الدفاع عنه، فهل كان دفاعه عنه ناجماً عن زهده وورعه، وترفعه عن الجرح قد يكون ذلك وراء موقفه. ولكنّ الحديث المروى هو في الدماء، لا في شيء مثل فضائل الأعمال، فكيف سوّغ هذا الزاهد الورع لنفسه رواية هذا الحديث عن رجل متهم، جرّحه أئمة لهم وزنهم. ولعل اسم أيوب الذي دار الحديث عليه جعل كل من ذكرنا بعد ذلك مثل حمّاد وسفيان وعبد الوارث... الخ يروونه عنه فيبلغ من الاشتهار ما بلغ على كل ما فيه.

أما طريق حماد بن زيد
1. فأخرجه البخاري (6922)، قال: حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: أتى علي بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله r: "لا تعذِّبوا بعذاب الله، ولقتلتهم؛ لقول رسول الله r: من بدَّل دينه فاقتلوه".
2. وأخرجه أحمد (1/282) قال: حدثنا عفان حدثنا حماد بن زيد عن أيوب به فذكر القصة والحديث.
3. وأخرجه أبو يعلى (2532)، قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا سفيان بن عيينة وحماد بن زيد عن أيوب به دون ذكر القصة.
4. وأخرجه ابن حبان (5606)، قال: أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن عبد بن حساب حدثنا حماد بن زيد، فذكر القصة والحديث.
5. وأخرجه الدارقطني (3/113)، قال : أخبرنا يوسف أخبرنا شهاب بن عباد أخبرنا حماد بن زيد، فذكر الحديث دون القصة.
6. وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (5/304) من طريق البخاري، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد حدثنا سعيد بن السكن حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري فذكره. كما تقدم.
7. وأخرجه البيهقي، قال (8/202): أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنبأ عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان. ح وأنبأنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان أنبأنا أحمد ابن عبيد الصفار حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي؛ قالا: حدثنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد.

وأما طريق سفيان بن عيينة
1. فأخرجه البخاري (3017)، قال: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن أيوب، فذكر القصة والحديث، وفي هذا الطريق تدليس.
2. وأخرج أبن أبي عمر في مسنده، ومحمد بن عباد عن الإسماعيلي جميعًا عن: سفيان قال: رأيت عمرو بن دينار وأيوب وعمارًا الدهني اجتمعوا فتذاكروا الذين حرّقهم عليٌّ. فقال أيوب، ... فذكر الحديث. فقال عمار: لم يحرّقهم، ولكن حفر لهم حفائر، وخرق بعضها إلى بعض، ثم دخن عليهم. فقال عمرو بن دينار: قال الشاعر:
لترم بي المنايا حيث شاءت​إذا لم ترم بي في الحفرتين!!
إذا ما أجّجوا حطبًا ونـارًا​هناك الموت نقـدًا غـير ديـن!!
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (6/151)، وكأن عمرو بن دينار أراد بذلك الرد على عمار الدهني في إنكاره أصل التحريق. ثم وجدت في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص حدثنا لوين حدثنا سفيان بن عيينة، فذكره عن أيوب وحده، ثم أورده عن عمار وحده، قال ابن عيينة: فذكرته لعمرو بن دينار، فأنكره، وقال: فأين قوله:
فـأوقـدت نــاري ودعــوت قنـبــرا
قال الحافظ: فظهر بهذا صحة ما كنت ظننته!!! يا سبحان الله!! ما الذي صحّح ظن الحافظ، وماذا كان ظنّه، وهل تصحح وقائع على هذا المستوى بهذه الطريقة؟

قال ابن عبد البر في التمهيد (5/316) ثنا سعيد بن نصر ثنا قاسم بن أصيغ ثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا أيوب ثنا عكرمة قال: لما بلغ ابن عباس أن عليًا أحرق المرتدين -يعني الزنادقة- قال: لو كنت أنا لقتلتهم لقول رسول الله r: "من بدَّل دينه فاقتلوه". ولم أحرِّقهم؛ لقول رسول الله r: لا ينبغي أن يعذب بعذاب الله. قال سفيان: فقال عمار الدهني -وكان في المجلس مجلس عمرو بن دينار، وأيوب يحدِّث بهذا الحديث-: إن عليًا لم يحرقهم بالنار، إنما حفر لهم أسرابًا، فكان يدخن عليهم منها حتى قتلهم. فقال عمرو بن دينار: أما سمعت قائلهم، وهو يقول: لترم بي المنايا ...فذكر البيتين المذكورين سابقًا.
1. وأخرجه ابن ماجة (2535): حدثنا محمد بن الصباح أنبأنا سفيان بن عيينة عن أيوب، فذكر الحديث.
2. وأخرجه ابن أبي شيبة (9041)، قال: حدثنا ابن عيينة عن أيوب، فذكرالحديث.
3. وأبو يعلى (2532) قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا سفيان بن عيينة وحماد ابن زيد عن أيوب، فذكر الحديث.
4. وأخرجه الشافعي في (بدائع المنن 2/188- 189)، قال: أخبرنا ابن عيينة عن أيوب، فذكر القصة والحديث.
5. ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي (8/195)، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أبنأنا الربيع بن سليمان أنبأنا الشافعي، فذكره.
6. ومن طريق الشافعي أيضًا أخرجه البغوي في شرح السنة (2561): أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ومحمد بن أحمد العارف قالا: أنبأنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا أبو العباس الأصم. (ح) وأنبأنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنبأنا عبد العزيز بن أحمد الخلال عن أبي العباس الأصم أنا الشافعي به.

وأما طريق عبد الوارث بن سعيد
فأخرجها النسائي (7/104)، قال: أخبرنا عمران بن موسى قال حدثنا عبد الوارث قال حدثنا أيوب عن عكرمة، فذكر الحديث.

وأما طريق وهيب بن خالد
فأخرجها النسائي أيضًا (7/104)، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك (هو المخرمي) حدثنا أبو هشام (هو المخزومي) ثنا وهيب ثنا أيوب عن عكرمة أنّ أناسًا ارتدوا عن الإسلام فذكر القصة والحديث.

وأما طريق معمر بن راشد
فأخرجها عبد الرزاق في مصنفه (18706): حدثنا معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله r: "من بدل دينه -أو قال: رجع- فاقتلوه، ولا تعذبوا بعذاب الله"، يعني النار.
والنسائي (7/104) أيضًا، قال: أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا محمد بن بكر أنبأنا ابن جريح أنبأنا إسماعيل عن معمر عن أيوب به، فذكر الحديث.
وابن حبان (4476) أخبرنا المفضل بن محمد بن إبراهيم الجندي بمكة حدثنا علي بن زياد اللحجي حدثنا أبو قرة ابن جريح أخبرني إسماعيل بن علية عن معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله r: "من ترك دينه -أو قال رجع عن دينه- فاقتلوه، ولا تعذبوا بعذاب الله أحدًا". يعني النار.
علي بن زياد الحجي، له ترجمة في الثقات (8/470)، وقال: مستقيم الحديث. وأبو قرة هو: موسى بن طارق اليماني وثقوه.
وأخرجه الحافظ تمام الرازيّ في فوائده (زوائد الأجزاء المنثورة 440) قال: حدثني أبو الحسن علي بن الحسن بن علان الحافظ أمّا المفضل بن محمد الجندي فساقه بإسناد ابن حبان ومتنه المتقدم قبله، وزاد آخره، قال: "ونهى رسول الله r عن المثلة".

وأما طريق سعيد بن إياس الجريري
فأخرجها البغوي في شرح السنة (2560)، قال: أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو طاهر الزيادي أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحي بن بلال أخبرنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا سعيد -هو الجريري- عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس به.

وأما طريق سعيد بن أبي عروبة
فأخرجها الدارقطني (3/113)، قال: أخبرنا أحمد بن إسحاق بن بهلول أخبرنا أبي أخبرنا يزيد عن سعيد بن أبي عروبة عن أيوب، فذكر الحديث.
قال الدارقطني: وأخبرنا المحاملي أخبرنا الحسائي أخبرنا يزيد أنبأنا سعيد به.

وأما طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي
فأخرجه الترمذي (1458) قال: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي البصري حدثنا عبد الوهاب الثقفي حدثنا أيوب عن عكرمة أن عليًا حرق قومًا ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لقتلتهم؛ لقول رسول الله r: "من بدل دينه فاقتلوه"، ولم أكن لأحرقهم لقول رسول الله r: لا تعذبوا بعذاب الله. فبلغ ذلك عليًا فقال: صدق ابن عباس. قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث صحيح حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم في المرتد.

وأما طريق جرير بن حازم
فأخرجه البيهقي (8/202) بالإسناد المتقدم إلى يعقوب بن سفيان وإسماعيل القاضي (الحديث أ-6)، قالا: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا جرير بن حازم عن أيوب، فذكر القصة والحديث، وزاد فيه: فبلغ ذلك عليًا، فقال: ويح ابن أم الفضل، إنه لغوَّاص على الهَنات.

وأما طريق إسماعيل بن إبراهيم ابن عليّة
فأخرجها أبو داود في سننه (3/12 عون المعبود)، قال: حدثنا أحمد بن حنبل أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن أيوب عن عكرمة، فذكر القصة والحديث، وفي آخره: فبلغ ذلك عليًا فقال: ويح ابن عباس.
وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد (5/305) من طريق أبي داود قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود فذكره.
هذا وقد روي الحديث من وجوه أخرى عن ابن علية عن معمر عن أيوب، (وقد تقدم بيانها في: طريق معمر بن راشد ولم يعتبر بعضهم ذلك كله؛ لأنّ سماع ابن عليّة من معمَّر وأيوب ثابت؛ قالوا: وكثيرًا ما تقع رواية التلميذ عن شيخه بواسطة، ثم يقع له سماع الحديث من شيخه مباشرة!!

أمّا متابعة قتادة والحكم لعكرمة فقد رويت بالشكل التالي:
متابعة قتادة
قال النسائي (7/104): أخبرني هلال بن العلاء حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة قال حدثنا عباد بن العوام حدثنا سعيد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، فذكر الحديث.
قال النسائي (7/104-105): أنبأنا موسى بن عبد الرحمن حدثنا محمد بن بشر حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن قال: قال رسول الله r، فذكره مرسلاً.
قال النسائي: وهذا أولى بالصواب من حديث عباد.
ووجهه أن عبادًا وإن كان ثقة من رجال الجماعة، إلا أن في حديثه عن سعيد بن أبي عروبة اضطرابًا، كما قال الإمام أحمد فيما رواه عنه الأثرم.
أما محمد بن بشر فهو العبدي أبو عبد الله الكوفي، الثقة الحافظ من رجال الجماعة أيضًا على ما قاله الحافظ في التقريب. وقد سأل الآجري أبا داود عن سماع محمد بن بشر من سعيد بن أبي عروبة. فقال: هو أحفظ من كان بالكوفة.
فتُقدَّم روايته عن سعيد على رواية عباد بن العوام خاصة إذا لم يتابع عباد بن عوام. قلت: وقد ثبت عن قتادة من وجوه أخرى عن أنس عن ابن عباس به.

أما متابعة الحكم بن أبان
فقد أخرجها الطبراني في الكبير (11617) قال: حدثنا موسى بن هارون حدثنا إسحاق بن راهويه حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنى أبي عن عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله r قال: "من خالف دينه دين المسلمين فاضربوا عنقه"!!!. وقال: "إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله فلا سبيل إليه إلا أن يأتي شيئًا فيقام عليه حده".
وإسناده ضعيف؛ لضعف إبراهيم بن الحكم بن أبان. قال يحيي بن معين -في رواية الدوري عنه-: كانت هذه الأحاديث في كتبه مرسلة ليس فيها ابن عباس ولا أبو هريرة، يعني أحاديث أبيه عن عكرمة.
وقال ابن عدي: وبلاؤه ما ذكروه أنّه كان يوصِّل المراسيل عن أبيه، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه. وهذا إضافة إلى البليّة الظاهرة في متنه.

طريق قتادة عن أنس عن ابن عباس
رواية قتادة: هشام بن أبي عبد الله الدستوائي
أخرجها النسائي (7/105) قال: أخبرنا الحسين بن عيسى عن عبد الصمد حدثنا هشام عن قتادة عن أنس عن ابن عباس قال: قال رسول الله r: "من بدَّل دينه فاقتلوه".
وقال النسائي أيضًا: أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الصمد عن قتادة عن أنس أن عليًا أتى بناس من الزط، يعبدون وثنا، فأحرقهم. قال ابن عباس: إنما قال رسول الله r: "من بدَّل دينه فاقتلوه".
وأخرجه أحمد (1/322-323)، قال: حدثنا عبد الصمد حدثنا هشام بن أبي عبد الله عن قتادة به، فذكر قصة الزط والحديث، بنحو لفظ النسائي.
وأخرجه أبو يعلى (2533)، قال: حدثنا إسحاق حدثنا عبد الصمد، فذكر الحديث.
وأخرجه ابن حبان (4475)، قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي حدثنا يحي بن معين حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا هشام عن قتادة عن أنس بن مالك عن ابن عباس، فذكر الحديث.
وأخرجه الطبراني في الكبير (10638)، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنى محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا هشام الدستوائي عن قتادة، فذكر قصة الزط والحديث.
وأخرجه البيهقي (8/202)، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن محمد المقري حدثنا الحسن بن محمد بن إسحاق حدثنا يوسف بن يعقوب حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا عبد الصمد به.
قصة تحريق أمير المؤمنين عليّ -رضي الله عنه وأرضاه- مع ما ذكرناه فيها وعنها، فإنّنا نود أن نضيف الطرق الأخرى لروايتها، التي بالرغم مما فيها لم يتردد هؤلاء المحدّثون في روايتها وتكرارها ومحاولة توثيقها!!
فقد أخرج ابن أبي شيبة (9052) عن عبد الرحمن بن سليمان عن عبد الرحمن بن عبيد عن أبيه قال: "كان الناس يعبدون الأصنام في السر، ويأخذون العطاء، فأتى بهم عليّ، فوضعهم في السجن، واستشار الناس، فقالوا: اقتلهم. فقال: لا، بل أصنع بهم كما صنع بأبينا إبراهيم، فحرقهم بالنار"!!. قلت: هذا داهية دهياء ففيه تشكيك في صحة إيمان أهل العصر عامّة، والعياذ بالله.
وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا (9053) حدثنا مروان بن معاوية عن أيوب بن النعمان قال: شهدت عليًا في الرحبة، فجاءه رجل، فقال: "إن هنا أهل بيت لهم وثن في دار، يعبدونه. فقام يمشي إلى الدار، فخرجوا إليه بتمثال رخام". قال: فألهب عليهم عليٌّ الدار!!.
وأخرج أبو طاهر المخلص في الجزء الثالث من حديثه من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال: قيل لعلي: إن هنا قومًا على باب المسجد، يدَّعون أنك ربهم، فدعاهم، فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟! قالوا: أنت ربنا، وخالقنا، ورازقنا. فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم، آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني؛ فاتقوا الله وارجعوا. فأبوا، فلما كان الغد، غدوا عليه، فجاء قنبر، فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام. فقال: أدخلهم. فقالوا كذلك. فلما كان الثالث، قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة. فأبوا إلا ذلك. فقال: يا قنبر ائتني بفعَلة معهم مرورهم، فخدَّ لهم أخدودًا بين باب المسجد والقصر. وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض، وجاء بالحطب، فطرحه بالنار في الأخدود. وقال: إنِّي طارحكم فيها، أو ترجعوا. فأبوا أن يرجعوا. فقذف بهم فيها، حتى إذا احترقوا، قال:
إنِّي إذا رأيت أمرًا منكـرًا​أوقدت ناري ودعوت قنبرًا
قال الحافظ في الفتح (12/270): هذا سند حسن.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (5/317): قد روينا من وجوه أن عليًا إنّما حرَّقهم بعد قتلهم. ثم أسند من طريق خارجة بن مصعب عن سلام بن أبي القاسم عن عثمان بن أبي عثمان الأنصاري قال: جاء ناس من الشيعة إلى علي فقالوا: يا أمير المؤمنين أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت هو. قال: ويلكم من أنا؟ قالوا: أنت ربنا. قال: ويلكم ارجعوا، فتوبوا. فأبوا، فضرب أعناقهم. ثم قال: يا قنبر ائتني بحزم الحطب فحفر لهم في الأرض أخدودًا، فأحرقهم بالنار، ثم قال: لما رأيت الأمر... فذكر البيت هنا نسب المؤلِّهون للإمام عليّ -الذين حرّقهم بأنهم من "الشيعة"!!
الحديث كما روي من حديث معاوية بن حيدة. قال الطبراني في الكبير (19/419): حدثنا داود بن محمد بن صالح المروزي ثنا حوثرة بن أشرس ثنا حماد بن سلمة عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله r: "من بدل دينه فاقتلوه. لا يقبل الله توبة عبد كفر بعد إسلامه". إذن: علام يثار كل ذلك الجدل في موضوع الاستتابة؟!
كما رووه عن أم المؤمنين عائشة الصديقة -رضي الله عنها- أخرج الطبراني في الأسط (9226) قال: حدثنا نعيم بن محمد الصوري حدثنا موسى بن أيوب النصيبي حدثنا عبد الرحمن بن الحسن أبو مسعود الزجاج عن أبي بكر الهذلي عن الحسن وشهر بن حوشب عن عائشة قالت: قال رسول الله r: "من بدل دينه فاقتلوه".
قال الطبرانيّ: لا يروى هذا الحديث عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به موسى بن أيوب.
قال الهيثميُّ في (6/261): وفيه أبو بكر الهذليّ. وهو ضعيف. الحديث.

حديث أبي هريرة في الباب
قال الطبرانيّ في الأوسط (8618): حدثنا مسعود بن محمد الرمليّ:
1. حدثنا عمران بن هارون حدثنا ابن لهيعة حدثني بكير بن عبد الله بن الأشبح عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله r قال: "من بدّل دينه فاقتلوه". قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن بكير إلا ابن لهيعة. قال الهيثمي: وإسناده حسن. قلت: والخلاف في ابن لهيعة مشهور، وقد جرى الهيثمي على تحسين حديثه. وجمهور أهل الصناعة على تضعيفه، فما بالك فيما تفرد به؟!
2. وقال ابن عديّ في ترجمة اسحاق بن عبد الله بن أبي فروة من الكامل (1/322) حدثنا محمد بن عبد الله بن فضل حدثنا محمد بن مفضل حدثنا عمر بن عبد الواحد حدثنى ابن أبي فروة عن أبي المنكدر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي ّr: "من بدّل دينه فاضربوا عنقه".
قال ابن عدي: وإسحاق بن أبي فروة هذا ما ذكرت هاهنا من أخباره بالأسانيد التي ذكرت: فلا يتابعه أحد على أسانيده، ولا على متونه، وسائر أخباره ممّا لم أذكره تشبه هذه الأخبار التي ذكرتها، وهو بيِّن الأمر في الضعفاء. على أن اللّيث بن سعد قد روى عنه نسخة طويلة. وأهم ما يستفاد من الرواية، مع كل ما فيها تأكيد، أن الواقعة كانت في المدينة المنورة.

حديث عصمة
قال الطبرانيّ (17/186): حدثنا أحمد بن رشد بن المصري حدثنا خالد بن عبد السلام الصدفي حدثنا الفضل بن المختار عن عبد الله بن موهب عن عصمة بن مالك الخطميّ، فساق عنه نسخة طويلة بهذا الإسناد، ومنها عن عصمة، قال: قال رسول الله r: "من ارتد عن دينه فاقتلوه". قال الهيثمي في المجمع: (6/261): وفيه الفضل بن المختار، وهو ضعيف الحديث.

حديث ابن عمر
قال ابن عبد البر في التمهيد (5/304): وقد روي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبيّ r قال: "من بدل دينه فاقتلوه". قال ابن عبد البر: وهو منكر عندي. والله أعلم. وسنورد تمام كلامه عند الحديث عن مرسل زيد بن أسلم. قلت: ومع ذلك فقد أطلق ابن عبد البر كلامه الذي أوردناه سابقاً: بأن القتل بالردّة لا خلاف فيه بين المسلمين، ولا اختلفت الرواية والسنة عن النبيّ r فيه.

مرسل الحسن البصري
قال النسائيّ (7/104-105): أنبأنا موسى بن عبد الرحمن حدثنا محمد بن بشر حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن قال: قال رسول الله r وذكره مرسلاً.
وقد تقدم كلام النسائيّ عليه في بيان حديث سعيد بن أبي عروبة. كما أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (ص 132 من زوائده) على ما ذكره الألبانيّ في إرواء الغليل (8/125).

مرسل زيد بن أسلم
قال مالك في الموطأ (2/211) مع شرح السيوطي: عن زيد بن أسلم، أنّ رسول الله r قال: "من غيرَّ دينه فاضربوا عنقه" قال ابن عبد البر في التمهيد (5/304): هكذا رواه جماعة رواة الموطأ مرسلاً، ولا يصح فيه عن مالك غير هذا الحديث المرسل عن زيد بن أسلم. وقد روى فيه عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي r قال: "من بدّل دينه فاقتلوه" وهو منكر عندي. والله أعلم. فتأمّل!!

شواهد الحديث
للحديث شواهد وردت عن معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعثمان بن عفان -رضي الله عنهم.

حديث معاذ
أخرج الطبراني في الكبير (20/53-54) ومسند الشاميين (3576): حدثنا الحسين بن إسحاق التستري حدثنا هوبر بن معاذ حدثنا محمد بن سلمة عن الفزاوي عن مكحول عن ابن أبي طلحة اليعمري عن أبي ثعلبة الخشني عن معاذ بن جبل أن رسول الله r قال له حين أرسله إلى اليمن: "أيُّما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن تاب فاقبل منه، وإن لم يتب فاضرب عنقه. وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن تابت فاقبل منها، وإن أبت فاستتبها".
قال الهيثمي (6/263): وفيه راو لم يسم، قال مكحول: ابن لأبي طلحة اليعمري، وبقية رجاله ثقات.
وقال الحافظ في الفتح (12/272): سنده حسن، وهو نص في محل النزاع (يعني في مسألة قتل المرتدة) فيجب المصير إليه. قلت: يا سبحان الله! ما دام يعزّز المذهب الفقهي في "المرتدة" فينص على وجوب المصير إليه بقطع النظر عن مشاكل الإسناد. ومنها الراوي المجهول، ومعارضته لصريح القرآن والسنّة الفعلية؟!!
على أنّني أقول: إنّ إسناده ضعيف، فالفزاري هو محمد بن عبيد الله العزرمي، متروك. فلا أدري وجه توثيق الهيثمي لبقية رجاله أو تحسين الحافظ لسنده، إلا أن يكونا حملا الفزاري على أبي إسحاق الفزاري: إبراهيم بن محمد بن الحارث الحافظ الثقة، فإن لمحمد بن سلمة -وهو الحراني- رواية عنه في ابن ماجة، لكن لا رواية لأبي إسحاق عن مكحول. وإنّما الذي يروي عن مكحول ويروي عنه محمد بن سلمة هو: العزرمي. وقد نبّه ابن عديّ على أنّه المراد من عامّة ما يرويه محمد بن سلمة، يقول: الفزاريّ ينسبه، ولا يسمّيه.
وأما ابن أبي طلحة فهو: معدان، ثقة أخرج له مسلم والأربعة، لكنّ مكحولاًَ لم يثبت أن من لم يسم إنما هو معدان، ولم يذكر ما يؤيد ظنّه.

الآثار المروية عن أبي بكر الصديق
الآثار التي أوردوها عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في حروب الردّة عامّة، وهي كثيرة جداً. فلتراجع في مظانّها. ومنها:
1. ما اخرجه أبو يعلى في المطالب العالية (2/113-114) وابن عبد البر في التمهيد (5/314) في ردة بني عامر خاصّة حيث أخرجا عن الشعبيّ قال: ارتدت بنو عامر، وقتلوا من كان فيهم من عمّال رسول الله r وحرقوهم بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد -رضي الله عنهم- ان يقتل بني عامر، ويحرقهم بالنار. هنا -أيضًا- لابد لنا من الوقوف قليلاً لنسأل عن بني عامر هؤلاء أهم قبيلة كبيرة أم صغيرة، ما عددهم، وهل شاركوا كلهم في تلك الجريمة النكراء، أو شارك فيها بعضهم، وهل وقع التحريق -فعلاً- ومن شهده من الصحابة، وخاصة من جند خالد -الذين يفترض أنّهم قاموا بمهمة التنفيذ؟!!
2. ما أورده ابن عبد البر في التمهيد (5/314-315)، قال: لمّا ارتد الفجاءة واسمه (إياس بن عبد الله بن عبد ياليل) بعث إليه أبو بكر الصديق الزبير بن العوام في ثلاثين فارسًا، وبيَّته ليلاً فأخذه، فقدم على أبي بكر، فقال أبو بكر: أخرجوه إلى البقيع (يعني المصلّى) فأحرقوه بالنار، فأخرجوه إلى المصلى فأحرقوه.

الآثار المروية عن علي بن أبي طالب
1. فمما روى عنه في الباب، ما أخرجه ابن أبي شيبة (9035) عنه قال: يستتاب المرتد ثلاثًا، فإن عاد وإلاّ قتل. ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه البيهقي (8/207).
2. وعن أبي عثمان النهدي: أن عليا استتاب رجلاً كفر بعد إسلامه، فأبى، فقتله. أخرجه عبد الرزاق.
3. وعن أبي عمرو الشيباني: أن رجلاً من بني عجل تنصر، فكتب بذلك عيينة بن فرقد السلمي إلى علي بن أبي طالب، فكتب علي أن يؤتى به. فجيء به حتى طرح بين يديه رجل أشعر عليه ثياب صوف، موثوق في الحديد. فكلمه علي فأطال كلامه، وهو ساكت. فقال: لا أدري ما تقول غير أنّي أعلم أن عيسى ابن الله. فلما قالها قام إليه عليٌّ فوطئه، فلما رأى الناس أن عليًّا قد وطئه قاموا فوطئوه، ثم أمر به عليّ فأحرق في النار.
وفي رواية أخرى: فقال له علي: لعلك إنما ارتددت لأن تصيب ميراثًا، ثم ترجع إلى الإسلام. قال: فلعلك خطبت امرأة فأبوا أن يزوجوكها، فأردت أن تزوجها، ثم تعود إلى الإسلام. قال: لا. قال: فارجع إلى الإسلام. قال: لا، حتى ألقى المسيح. فأمر به عليّ فضربت عنقه، ودفع ميراثه إلى ولده المسلمين.
وفي رواية: أن المسور العجلي تنصر بعد إسلامه فبعث به عتبة بن أبي وقاص إلى عليّ، فاستتابه، فلم يتب فقتله، فسأله النصارى جيفته بثلاثين ألفًا فأبى عليٌّ، وأحرقه.
وروى عبادة عن العلاء أبي محمد: أن عليًّا أخذ رجلاً من بكر بن وائل تنصر بعد الإسلام، فعرض عليه الإسلام شهرًا فأبى، فأمر بقتله.
ذكر هذه الروايات ابن حزم في المحلى (13/123)، وابن عبد البر في التمهيد (5/308-309) دون إسناد. وأخرج نحوها ابن أبي شيبة (9056)، وعبد الرزاق (10/170). وأخرجه سعيد بن منصور في سننه مختصرًا.
1. أخرج الطبرانيّ في الأوسط عن سويد بن غفلة: أن عليًا بلغه أن قومًا ارتدّوا عن الإسلام، فبعث إليهم، فأطعمهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، فحفر حفيرة، ثم أتى بهم، فضرب أعناقهم، ورماهم فيها، ثم ألقى عليهم الحطب، فأحرقهم، ثم قال: صدق الله ورسوله. ذكره الحافظ في الفتح (12/270)، وسكت عنه. قيل: ومقتضى سكوته عنه أنَّه حسن كما هو شرطه؟!
2. وأخرج ابن أبي شيبة (9051) عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن سويد بن غفلة: أن عليًّا حرّق زنادقة بالسوق، فلما رمى عليهم النار، قال: صدق الله ورسوله، ثم انصرف، فتبعته. قال: أسويد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، سمعتك تقول شيئًا؛ قال: يا سويد إنيّ مع قوم جهّال؛ فإذا سمعتني أقول: قال رسول الله r فهو حق.
هذان الأثران مثيران للعجب من كل ناحية. فالراوي واحد هو سويد بن غفلة ففي الأثر كما أخرجه الطبرانيّ نجد أن الإمام قد بعث إليهم فأطعمهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا ...الخ لم يبين الأثر من هم، وما هو مضمون ردتهم، وما عددهم، ومتى كان ذلك ومن شهده. وفيما أخرجه ابن أبي شيبة يحدّد الأثر أن الإمام فعل ذلك بالسوق، وذلك يعني أن أهل السوق قد شهدوا ذلك، فكيف يقبل أن لا يروي أحد ذلك إلا سويد، وأن لا يتبع الإمامَ منصرفٌ من تلك الواقعة الهائلة ليستفسر عن قوله -بعد التنفيذ-: "صدق الله ورسوله"، وما الذي كان الإمام يريده بقوله ذاك؟!
وقوله في رواية ابن أبي شيبة: "... إنيّ مع قوم جهّال؛ فإذا سمعتني أقول: قال رسول الله r فهو حق. فقوله هذا قد ورد في أثر آخر روي عنه، وجاء فيه "إنّما أنا رجل محارب أقول في الرضى وفي الغضب، لكنّني إذا قلت: قال رسول الله فلن أكذب على رسول الله". فهل جرت عملية خلط بين الأثرين؟ علمًا بأن كلاً منهما كان في واقعة غير الواقعة الأخرى.
وهذه الآثار عن عليّ -رضي الله عنه- يمكن أن يكون لها ارتباط وثيق بالوقائع ذات الصلة بآية آل عمران.

وأما أثر عثمان بن عفان
1. فعنه أنه كفر إنسان بعد إيمانه، فدعاه إلى الإسلام ثلاثًا فأبى فقتله. أخرجه عبد الرزاق، ومن طريقه ابن حزم في المحلى (13/123).
2. وعن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: أخذ ابن مسعود قومًا ارتدوا عن الإسلام من أهل العراق فكتب فيهم إلى عثمان فرد إليه عثمان أن اعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن قبلوها فخل عنهم، وإن لم يقبلوها فاقتلهم. فقبلها بعضهم، فتركه. ولم يقبلها بعضهم فقتله. أخرجه عبد الرزاق (10/168).

وأما أثر عبد الله بن عمر
فروي عنه أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثًا، فإن تاب تُرك، وإن أبى قُتل. أخرجه عنه ابن أبي شيبة (9036)، ومن طريقه البيهقي (8/207).

أما أثر خالد بن الوليد
وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب في ردة أسد وغطفان يوم بزاخة. قال: فاقتتلوا -يعني هم والمسلمون- قتالاً شديدًا، وقتل المسلمون من العدو بشرًا كثيرًا، وأسروا من أسارى، فأمر خالد بالحظيرة أن تبنى، ثم أوقد تحتها نارًا عظيمة، فألقى الأسارى فيها! ذكرها ابن عبد البر في التمهيد (5/315-316).

وأما أثر عبيد بن عمير
فروي عنه في الرجل يكفر بعد إيمانه قال: يقتل. أخرجه بن أبي شيبة (9040).

وأما أثر عمر بن عبد العزيز
فروي عنه أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثة أيام، فإن أسلم وإلا قتل. أخرجه ابن سعد في ترجمته من الطبقات، عزاه إليه الزيلعي في نصب الراية (3/461).

وأما أثر عطاء بن أبي رباح
فعنه قال في الإنسان يكفر بعد إسلامه: يدعى إلى الإسلام فإن أبى قتل. أخرجه ابن أبي شيبة (9039)، وعبد الرزاق (10/164).

وأما أثر الزهري
فعنه قال: يدعى إلى الإسلام ثلاث مرات، فإن أبى ضرب عنقه. أخرجه ابن أبي شيبة (9038)، وعبد الرزاق (10/164).

وهذه الآثار قد وردت في كثير من المصنفات والمسانيد بشيء من الاختلافات في الألفاظ، ويمكن الرجوع إليها لملاحظة ذلك، ونجد في كثير منها مواضع للتساؤل. ومن هذه التساؤلات: هل أراد خصوم أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- أن يَسموه بالقسوة والتجبُّر، وينفّروا الناس عنه؟ أو أن يشبهوه بقوم إبراهيم المشركين -ولو بدون تصريح بذلك- وهو الذي أخبره الرسول r أنه خليفته في المدينة حين غزا، وأنه منه بمنزلة هارون من موسى؟

إن كثيرًا من تلك الروايات رواها آحاد، وبأشكال تدعو إلى النظر، لأن تلك الحوادث التي أشارت هذه الآثار إليها -فضلاً عن مشاكل أسانيدها- فإنها كانت أخبار آحاد في وقائع يفترض لو أنها وقعت فعلاً لسارت بها الرُّكبان.

كما أن بعض تلك الآثار التي ذكرت التحريق لم تذكر ما إذا كان التحريق يتم بعد القتل بالسيف أو أنهم يحرَّقون أحياء. وبعضها قد اضطرب اضطراباً شديداً في هذا، وما من أثر من هذه الآثار إلا ويمكن إثارة الكثير من الأسئلة عليه: على سنده ومتنه ومعانيه ودلالاته. والله تعالى أعلم. وقد آثرنا استقراء تلك الروايات -كلّها- ليدرك الباحثون ما فيها على تعدّد طرقها، وليعلم أن تعدّد الطرق لا يعني سلامة المرويّ -كما هو- ولا صحته، وليتبيّن للباحثين أهميّة الهيمنة بالقرآن على السنّة والتصديق عليها به. وحين يحدث ذلك، وتأخذ السنّة هذا الموقع لتدور في مدار القرآن، فإنّ ذلك هو المدار الطبيعيُّ لها، الذي لن يسمح ببروز أيّة آفة من الآفات التي تترتب على استقلال السنة عن القرآن، أو اتخاذها مداراً خاصّاً بها.

فحين اتخذنا منهج ربط الحديث بالقرآن بدا التكامل واضحاً بفضل الله، وتجاوزنا المشكلات التي أثارها بعضهم حول الحديث، وحتى روايات الحديث الضعيفة والمعلولة لم تعد الحاجة ملحة للانشغال بالجدل حول أسانيدها وفقهها ما دام هناك أصل صحيح يدور حول القرآن بتكامل تام.




























الفصـــل الســادس

مذاهـب الفـقـهـاء
في عقـوبـة المـرتـد





























مقدمة الفصل

بعد أن بيَّن القرآن المجيد موقفه المشرف المنير من حريّة العقيدة، واتضح ما بيّنته السنّة الفعليّة والقوليّة تطبيقاً واتباعاً لآيات الكتاب الكريم، وبلاغاً لما جاء فيه، ثم موقف الشيخين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- سيراً على هدى القرآن والسنّة النبويَّة، وتمسُّكاً بكل منهما، والتزاماً به؛ للباحث أن يتساءل: وما عساه أن يكون موقف الفقه والفقهاء -وقد حسم المصدرُ المنشئ والمبيِّن الأمرَ؛ وتطبيق الشيخين لما ورد إنشاءً وبياناً ظاهرين، فعلامَ استند الفقهاء في كل ما رتبوه من فقه في المسألة؟
قلت: ذكر الفقهاء أنّهم قد بنوا مذاهبهم في المسألة على دليلين اثنين:
الأوّل: السنّة القوليّة، القائمة على تصحيح حديث "من بدّل دينه فاقتلوه"، واعتباره عامّاً في كل من غيّر دينه، حارب أم لم يحارب. وخصّصوا به عموم القرآن. وقد علمت ما فيه سنداً ومتناً، وتبيّن تعذّر بناء فقه عليه إلاّ إذا ربط بمحاولة أهل الكتاب تدمير الجبهة الاسلامية الداخليّة، تلك المؤامرة الخبيثة التي نبّهت إليها آيات القرآن المجيد ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:72-73]
الثاني: دعوى الإجماع -وبقطع النظر عن اختلاف مواقف كثير من العلماء في "حقيقة الإجماع" فإنّ المذاهب الإسلاميّة الفقهيّة قد اختلفت فيما بينها اختلافاً كبيراً. بل لقد اختلفت المذاهب في داخلها اختلافات ليس من السهل إدّعاء أيّ نوع من أنواع الإجماع معها.
لقد خلطت جل المذاهب المعروفة بين الردّة بمفهومها السياسيّ وبين الردّة بمعنى التغيّر في الاعتقاد. وبعض المذاهب أكد أنّ الردّة حدٌّ من الحدود التي لا يجوز التسامح في تطبيقها، في حين ذهب بعضهم الآخر إلى أنّها من التعازير، وعدّها بعض ثالث من السياسات الشرعيّة التي يقدرها الحكام وفقاً لاجتهاداتهم في حماية القانون والنظام العام ووحدة الجماعة. وفرّق بعضهم بين أوضاع المرتدين المختلفة، فأثبتها على بعض الأنواع، ونفاها عن بعضها الآخر. وكل ذلك يؤكد حقيقة لا تنكر وهي: أنّه لا إجماع في المسألة يمكن الاحتجاج به على وجود حدٍّ ثابت لها.ولو سلّمنا -جدلاً- بوجود إجماع فإنّه لا مستند لهذا الإجماع المدَّعى.
كيف حدث الخلط بين الدينيّ والسياسيّ؟
إنَّنا نستطيع أن نتفهّم الأسباب التي ساعدت على الخلط في عمليّة تكييف هذه القضيّة. ولعل من أبرزها ما أضيف إلى الثقافة الشفويّة التي كانت سائدة في البيئة الحجازيّة، وهي الثقافة التي نبهّنا إلى أهم آثارها في الفصل الأول من هذا البحث؛ وهي ترى وجوب قتل من يخرج على اليهوديّة؛ فإنّ هناك أسباباً إضافيّة جديرة بالملاحظة، منها:
1. أن الفتوحات الإسلاميّة قد أضافت إلى نسيج الأمّة المسلمة، وسلطان دولتها ونظامها، بلاداً كثيرة أخرى كانت لها نظمها وأعرافها وثقافتها وتشريعاتها، ومنها التشريعات المتعلّقة بتغيير الولاء والخروج على النظام السياسيّ والقانونيّ وما إلى ذلك. فالروم والفرس وغيرهم، كل أولئك كانت لهم قوانين وتشريعات مستقرة أنتجت أعرافاً وثقافات في البلدان المفتوحة، ثم انتقلت إلى البيئة المسلمة وصارت تتفاعل معها، وتشكل -ولو بشكل ضئيل- بعض موارد العقل الفقهيّ ولو على مستوى تكييف الوقائع. ثم إن القانون الرومانيّ النصرانيّ كان مطبقاً في بلاد الشام قبل الإسلام.
2. أنّ حروب الردّة في عهد الصدّيق -رضي الله عنه- لم تكن أسبابها محدّدة بدقة صارمة. فهي، وإن قامت على البعد السياسيّ، فإن البعد الدينيّ كان مشاراً إليه في نحو قول الصديق -رضي الله عنه-: "والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة". وإذا كان الصدّيق قد استند إلى مفهوم "دين" بمعناه الشامل الذي يبرز فيه التشريع والحاكميّة والنظام العام والحكم -كما أوضحنا- وكلّها تندرج تحت الشريعة فإنّه لم يوضع حدٌّ فاصل بين العقيدة والشريعة في هذا المجال. ولذلك فإنّ اعتراض عمر -رضي الله عنه- كان بناء على ما ذهب إليه ظنُّه من أنّهم ما يزالون يرددون "لا إله الإ الله" أو يتعوذون بها -كما يقال- فكيف يقاتلون؟ فلفت الصديق نظره إلى البعد الكليّ الذي لا يسمح بتلك التجزئة التي حاولوها تضليلاً، فهدفهم هو الأمّة كياناً ونظاماً وشريعة ومنهاجاً والعودة إلى النظام الجاهليّ.
فكانت حروب الردّة، لا لإعادة من غيّروا اعتقادهم إلى المعتقد الذي فارقوه بالقوّة، بل لإلزام مواطنين تخلوا عن التزاماتهم وواجباتهم باعتبارهم أعضاء في الأّمّة، أو مواطنين في دولة، وهي التزامات تستمد قوتها الشرعيّة من الدين، ومن الالتزام بالواجب الوطني أو "الأمّتي" الذي يفرضه الدين باعتباره مصدر الشرعيّة على المواطن الذي يفرض عليه احترام سلطاته الشرعيّة، وعدم ارتكاب أي فعل يهدّد سلامة بنيان الأَّة واستقرار وحدتها وسيادتها على ديارها، وعدم تهديد كيانها بالتمزّق والعودة لإقامة دويلات، أو نظام قبائليّ له في الماضي حكم الدويلات في مفاهيم العصر.
والآن نستطيع أن نتابع المذاهب الفقهيّة في المسألة.
مذهب أبي حنيفة
الإمام أبو حنيفة وأصحابه لم يضعوا الردة بين الحدود فهم يدرسونها في كتبهم ملحقة بالسِّير. تجد ذلك في مختصر الطحاوي وبدائع الصنائع للكاساني وغيرهما.

وهم يقررون أن المرتدّة لا تقتل بلا خلاف بينهم. كما يقولون بأنّ الصبي العاقل تصح ردّته ولكنه لا يُقتل بل يُحبس فقط. وفي الوقت نفسه فإنّهم يرون وجوب قتل المرتد الذكر، ولا يوردون أي دليل قرآني على ذلك، بل يكتفون في معاقبة المرتد الذكر العاقل البالغ بحديث "من بدَّل دينه فاقتلوه" الذي ناقشناه فيما تقدم. ويؤيدون الحديث المذكور بإجماع الصحابة على مقاتلة المرتدين في عهد أبي بكر الصديق. وقد علمتَ أنّ قضيّة الردّة في عهد الصدّيق -رضي الله عنه- لم تكن قضية تغيير معتقد، ولكنّها كانت قضية خروج على النظام الذي جاء الإسلام به، وسائر التشريعات التي أرسى القرآن دعائمها، وفي مقدمتها تشريع الزكاة، وتحطيم المجتمع وتفكيك الأمة التي بناها رسول الله r بأمره تعالى، والعودة إلى النظام القبليّ الجاهليّ. وإلا فإنّهم أبدوا استعدادهم للإقرار لله بالألوهيّة وأداء الصلاة، والاعتراف بنبّوة ورسالة سيدنا رسول الله r وبذلك فإن ردّتهم ردّة عن الالتزام بوحدة الأمة ورفض للنظام العام، خاصّة فيما يتعلق بالزكاة، فلا تصلح أن تكون دليلاً على إجماع الصحابة على وجوب قتل المرتد الفرد المغيِّر لدينه دون مفارقة الجماعة والخروج عليها.

كما أن تناول فقهائهم لقضية الردّة في مجال السِّير المتعلّقة في قضايا القتال، وما يترتب عليه من آثار، دليل على ميلهم إلى هذا الجانب، وإلا لما جعلوا أحكام المرتدّين فصلاً من فصول كتاب السِّير يأتي بعد الكلام على اختلاف أحكام الدارين: دار الإسلام ودار الحرب.
لا يقال: إنّ المرتد وإن اقتصر على تغيير الاعتقاد، فإنه مظنّة العداوة والخروج والقتال فتنزّل "المظنّة" منزلة الوقوع الحقيقيّ؛ لأنّ المظنّة غير كافية فقهاً لأن تكون سبباً في إزهاق النفس على سبيل الحد؛ إذ لا بد من الدليل القاطع.

المذهب المالكي
يرى المالكية أنّ الردّة أمر يقع في فقههم فيما يطلقون عليه "باب الدماء" حيث يتناولون فيه الكلام عن البغي، ثم عن الردة، وبعد ذلك يوردون الكلام عن الزنا.

وهم لا يقولون بأن "حدّ الردّة" حدٌّ من حدود الله. فالإمام مالك في "الموطأ" يذكر الارتداد في كتاب الأقضية. واستدل بنفس الحديث المرسل أن رسول الله r قال: "من غير دينه فاضربوا عنقه". وشرح الحديث بقوله: ومعنى قول النبي r فيما نرى أنه من خرج من الإسلام إلى غيره، مثل الزنادقة وأشباههم، فإن أولئك إذا ظهر عليهم قتلوا ولم يستتابوا؛ لأنه لا تعرف توبتهم وأن كانوا يسرون الكفر ويعلنون الإسلام، فلا أرى أن يستتاب هؤلاء، ولا يقبل منهم قولهم. وأما من خرج من الإسلام إلى غيره وأظهر ذلك فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل. وذلك أن قومًا كانوا على ذلك رأيت أن يُدعوا إلى الإسلام، ويُستتابوا، فإن تابوا قُبل ذلك منهم، وإن لم يتوبوا قُتلوا. ولم يعنِ ذلك فيما نرى -والله أعلم- من خرج من اليهودية إلى النصرانية ولا من النصرانية إلى اليهودية، ولا من يغيِّر دينه من أهل الأديان كلّها، إلا الإسلام. فمن خرج من الإسلام إلى غيره، وأظهر ذلك؛ فذلك الذي عُني به والله أعلم، انتهى.

والإمام مالك فيما ذكره لم يبيِّن أنّه يتكلم عن حدًّ من حدود الله، بل يتكلم عن شيء أقرب ما يكون إلى ما يعرف بالسياسة الشرعيّة التي على الحاكم أن يأخذ بها -في نظره- تجاه الزنادقة لأنّه تمسّك بظاهر قوله r "من غيَّر دينه"، وكأنه رحمه الله قد حمل عبارة "من غيّر دينه" على تغيير يحدثه الإنسان في صميم الدين، كأن يغيّر في الصلوات بأن يجعلها أربعاً أو ستاً، أو في أركان الدين أو في أركان العقيدة، كما حدث بالنسبة لمسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي وسجاح وأمثالهم من المتنبئين الذين أسقطوا عن أتباعهم بعض الصلوات، وكذلك الزكاة، وأذنوا لهم في بعض المحرَّمات، فهؤلاء هم الذين يرى الإمام مالك وجوب قتلهم ولو أعلنوا في ظاهر الأمر غير ذلك. ويرى في مثل هؤلاء أنهم لا تُقبل منهم توبة ولسنا مطالبين باستتابتهم، ويسوي بين من غيرّ دينه ودخل في دين آخر، وبين من غيّر دينه إلى غير دين. ويفسّر ابن رشد الجد المالكي قتل المرتد بأنّه لعدم الدين الذي يمكن أن يُقرَّ عليه. وقد قال في الكلام عن الجزية: وأما الذين لا تؤخد منهم الجزية باتفاق فهم كفار قريش والمرتدون. أما المرتدون فلأنّهم ليسوا على دين يُقرُّون عليه لقول النبي r من بدّل دينه فاقتلوه.فهم قد أنزلوا مظنّة الحرابة بالنسبة لمن غيّر دينه مطلقاً منزلة الحرابة الفعليّة. وقد علمت ما فيه.

وخلاصة ما ذهب المالكية إليه: وجوب قتل المرتد، رجلاً كان أو امرأة، ولا يفرِّقون بين الذكر والأنثى في هذا الباب، وهم يرون أن المرتد مرشح لممارسة الحرابة أو الحرب. ولذلك قالوا: إنّ المرتد إذا ظُفر به قبل أن يُحارب فيقتل الرجل باتفاق، واختلفوا في قتل المرأة. وهل تُستتاب قبل أن تُقتل، فقال الجمهور: تُقتل المرأة أخذًا بعموم حديث "من بدل دينه فاقتلوه". أما إذا حارب المرتد ثم ظهر المسلمون عليه فإنّه يُقتل بالحرابة ولا يُستتاب سواء أكانت حرابته بدار الإسلام أو بعد أن لحق بدار الحرب، إلا أن يُسلِم.

مذهب الإمام الشافعي
تناول الإمام الشافعي الأمر انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الانفال:39]، وقوله عز وجل: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:5]، وقال الله سبحانه: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. [البقرة:217]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:65]. ثم قال الإمام الشافعي: أخبرنا الثقة عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل عن عثمان بن عفان أن رسول الله -صلى الله وعليه وآله وسلم- قال: "لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: بكفر بعد إيمان، أو بزنا بعد إحصان، أو بقتل نفس بغير نفس فيقتل". قال الشافعي: فلم يجز في قول النبي r لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: إحداهن الكفر بعد الإيمان، إلا أن تكون كلمة الكفر تحل الدم، إلا أن يتوب صاحبه.

فدل كتاب الله عز وجل ثم سنة رسوله r أن معنى قول رسول الله r كفر بعد إيمان إذا لم يتب من الكفر وضعت هذه الدلائل مواضعها. وحكم الله -عز وجل- في قتل من لم يسلم من المشركين، وما أباح جل ثناؤه من أموالهم، ثم حكم رسول الله بالقتل بالكفر بعد الإيمان يشبه -والله أعلم- أن يكون إذا حقن الدم بالإيمان ثم أباحه بالخروج منه أن يكون حكمه حكم الذي لم يزل كافرًا محاربًا وأكبر منه، لأنه قد خرج من الذي حقن به دمه ورجع إلى الذي أبيح الدم فيه والمال.

والمرتد أكبر حكمًا من الذي لم يزل مشركًا، لأن الله -عز وجل- أحبط بالشرك بعد الإيمان كل عمل صالح قدّمه قبل شركه، وأن الله جل ثناؤه كفّر عمن لم يزل مشركًا ما كان قبله، وأن رسول الله r أبان أنّ من لم يزل مشركًا ثم أسلم كفّر عنه ما كان قبل الشرك. وقال لرجل كان يقدم الخير في الشرك "أسلمت على ما كان لك من خير"، وأن من سنة النبي r فيمن ظفر به من رجال المشركين أنّه قتل بعضهم، ومنّ على بعضهم، وفادى ببعض، وأخذ الفدية من بعض، فلم يختلف المسلمون أنّه لا يحلّ أن يُفادى بمرتد بعد إيمانه، ولا يُمنُّ عليه، ولا تؤخذ منه فدية، ولا يُترك بحال حتى يُسلم أو يُقتل، والله أعلم.

والإمام الشافعي في عرضه للموضوع بهذه الطريقة واستناده إلى الآيات الكريمة التي تحدثت عن المشركين وأحكامهم (سورة الانفال آية 39، سورة التوبة آية 5، سورة البقرة آية 217، سورة الزمر آية 65) حاول أن يجعل المرتد مقيسًا على نوع من المشركين يجب قتلهم، بل اعتبره أولى بالقتل من ذلك النوع من المشركين. وكذلك استشهاده بالحديث المذكور الذي جمع بين الكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان، وقتل النفس بغير النفس ليسلم له استدلاله بأن كلمة الكفر بعد الإيمان تحلُّ الدم. ولم ينص على أن ما استدل به يمكن أن يؤدي إلى القول بوجود حدًّ شرعيّ محدّد يوجب قتل المرتد.

وإذا رجعنا إلى تفاصيل استدلاله، فالآية الأولى توضح لنا مشروعية القتال حماية لحرية الاعتقاد، ودرءًا لمحاولات تغيير الدين بالقوة وباستخدام التعذيب وما إليه. وذلك ليتمتع الذين كانوا يعيشون في جزيرة العرب بحريّتهم في الخروج من الجاهليّة ومن الظلمات، والدخول في دين الله -الإسلام- ويتحقق قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.

أما الخروج على الجماعة ونظامها وما تبنَّته من قانون، فإنّ لكل ذلك عقوبات محدّدة هي التي تدخل في دائرة حدود الله، أو تعزيرات مناسبة تتفق وخطورة الجرم المرتكب، فهي لا تتعلق إذن بتغيير العقيدة. أما الآية الثانية فهي متعلقة بالوثنيّين العرب الذين أمر الله بقتالهم لكي يخرجوا من الظلمات إلى النور، ومن جاهليّة الفرقة والفوضى وعدم الارتباط بأيّ نظام إلى أن يُخضعوا لنظام، ويُحوَّلوا إلى جزء من أمّة، ويتجاوزوا تلك الجاهليّة التي تهبط بالإنسان إلى أحطّ من درجات الحيوان، لتتم عملية تزكيتهم وتطهيرهم، فيكونون أهلاً لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فيستحقون الاحترام وزيارة البيت الحرام، وأمهلوا لذلك أربعة أشهر ليخرجوا من الوثنيّة وعبادة الأصنام.
وأما الآيتان الأخيرتان فقد استدل بهما بشكل حاول فيه أن يبيّن أن المرتد أحطُّ وأخطر من الكفر الأصلي من حيث حبوط الأعمال وعدم المغفرة. فليس فيما استدل به من الآيات الأربع ما يدلّ على وجود حدّ للردة في القرآن الكريم، فلا يصلح شيء مما قاله أو أورده معارضًا للحرية التامة التي جاءت بها قرابة مائتي آية من آيات الكتاب الكريم، وكلها تدل مطابقة أو تضمنًا على أن تغيير العقيدة وحده ليس فيه إلا حساب الله تعالى وعقابه في الآخرة.
وأما الحديث الذي استدل به مختصرًا فقد أخرجه مسلم وغيره مطوَّلاً وفي ألفاظ أخرى، ومنها ما جاء في صحيح مسلم من قوله r: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة". وفي رواية أحمد بن حنبل "التارك الإسلام والمفرِّق للجماعة أو المفارق الجماعة". وهذا يعني أن المسلم المنتمي لأمة الإسلام، الذي يحيا في ظل نظام إسلامي، لا يُراق دمه إلا في إحدى حالات ثلاث: احتراف الزنا والترويج له، وهو ما اعتبرناه في بحثنا حول عقوبة الرجم ظرفًا مشدِّدًا يرفع عقوبة محترف الزنا والمروِّج له في المجتمع عن عقوبة الزاني الفرد الذي وقع منه الزنا، باعتباره حالة هبوط أو سقوط، وهو زنا البكر أو زنا غير المحصن الذي يحظى بظروف مخففة للعقوبة جاء القرآن بها وهي الجَلدُ، ثم جريمة القتل العمد التي يجب فيها القصاص، ثم الترك للدين ومفارقة الجماعة والخروج عليها. وهذا ليس مما نحن فيه، ذلك لأننا نتحدث عن حدًّ للردة التي لا تتجاوز تغيير الإنسان الفرد لمعتقده دون خروج عن الجماعة أو نظامها القانوني، ودون انضمام إلى أعداء الجماعة التي كان ينتمي إليها ومفارقة لها أو محاربة لها ولما تقوم عليه. وهذا الحديث ينبغي أن يحمل عليه سائر الأحاديث الأخرى مثل حديث "من بدل دينه فاقتلوه" بحيث يصبح المعنى: من بدل دينه وفارق الجماعة وانحاز إلى أعدائها أو حمل ضدها السلاح وحاول تخريب نظامها فذلك هو الذي يُقتل، لأنّه يعدُّ والحالة هذه قد ارتكب ما نسميه في عصورنا هذه جريمة الخيانة العظمى والعمل على قلب نظام الجماعة والحكم والكيد للجماعة. وهذا، أعني جمع الأدلة، وحمل المطلق منها على المقيّد، أمر لا غبار عليه. فإنّنا قد حملنا قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:53] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:48] على قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:82] فحمل المطلق على المقيَّد أمر لا غبار عليه عند العلماء.
والإمام الشافعي حين جعل جريمة المرتد أعظم من جريمة المشرك استدلالاً بما افترضه من أن المرتد سيتحول إلى الشرك الذي تجاوزه سابقًا إلى الإسلام، وبذلك يُحبط عمله، في حين أن المشرك الأصليّ إذا حارب فإما أن يُقتل، وإما أن يُمنَّ عليه إذا أُسر، أو يُعفى عنه، أو يُفادى، في حين أن المرتد لا يُقبل منه شيء من ذلك. والحق أن الفرق بين الاثنين كبير، فهذا المرتد لأن جريمته لم يتجاوز فيها حدَّ حق الله -تبارك وتعالى- إلى حقوق الجماعة، فإن الله -تبارك وتعالى- هو الذي يتولى عقابه وجزاءه في الآخرة على ما ارتكبه، أما إذا حارب الجماعة فإن الجماعة تعاقبه على ما ارتكب في حقها من عدوان.

مذهب الحنابلة في حد الردة
لخص ابن قدامة ما ذهب إليه الحنابلة في هذا الأمر بقوله: "أقيموا الحدود" لا يتناول القتل للردة، فإنه قُتل لكفره لا حدًا في حقه". وقد ذكر ابن قدامة تفاصيل مذهب الحنابلة في الأمر مبينًا دليل القتل في الردة وتحديد من يعاقب بها وتعريف المرتد بأنّه الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر، ثم استند إلى حديث "من بدّل دينه فاقتلوه"، وعززه بما سمّاه إجماع أهل العلم، حيث قال: "وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد وغيرهم، ولم يُذكر خلاف ذلك، فكان إجماعًا". ثم قال: "ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وكان بالغًا عاقلاً، دُعي إليه ثلاثة أيام وُضيِّق عليه، فإن رجع وإلا قُتل".

هذه خلاصة لمواقف المذاهب السُّنية الأربعة. وقد يبدو من بعضها الخلط واضحًا بين المعنى السياسي وبين المعنى الخاص بالتحول في الاعتقاد. وذلك الاختلاف الظاهر في جلّ التفاصيل المتعلقة بهذا الأمر يدل دلالة واضحة على عدم وجود نص صريح يمكن الاستناد إليه وفقًا لقواعد الأصول لدى هذه المذاهب -كلها- للقول بوجوب قتل المرتد حدًّا. وكثيرون منهم تبدو في مذاهبهم إشارات لمصالح تتعلق بأمن الأمة والجماعة وحماية الجبهة الداخليّة لافتراض ارتباط الردة بالحرابة كما تقدمت الإشارة إليه.

موقف الإمامية
يرى الشيعة الإمامية أن المرتد نوعان: نوع ولد على الإسلام ثم ارتد، وهذا في نظرهم يُقتل فورًا ولا يُستتاب ولا تُقبل توبته ولا رجوعه إلى الإسلام.

والنوع الثاني هو المرتد الذي أسلم عن كفر ثم ارتد فهذا يُستتاب عندهم، فإن لم يتب يُقتل. أما المرأة فلا تُقتل بالردة ولكنها تُحبس. وهم لا يعتبرون الردة حدًا بل يضعونها في باب التعزيرات لأنهم يعتبرون أن كل ما له عقوبة مقدَّرة يسمى حدًا وما ليس كذلك فإنه يسمى تعزيز. وحصر الحلِّي الحدود في ستة هي: الزنا وما يتبعه، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، وقطع الطريق. وأدخل في باب التعازير البغي، والردة، وإتيان البهائم، وارتكاب ما سوى ذلك من المحارم.

مذهب الظاهرية
لقد نص الظاهرية على أنّ الردة حدٌّ من حدود الله، وجرت معالجتها في كتاب الحدود من كتاب "المحلّى". يقول ابن حزم: "إن من صح عنه أنه كان مسلمًا متبرئًا من كل دين حاشا دين الإسلام، ثم ثبت عنه أنه ارتد عن الإسلام، وخرج إلى دين كتابيّ أو غير كتابيّ أو إلى غير دين، فإن الناس اختلفوا في حكمه، فقالت طائفة: لا يُستتاب. وقال طائفة: يُستتاب، وفرقت طائفة بين من أسرَّ ردته وبين من أعلنها. وفرّقت طائفة بين من ولد في الإسلام ثم ارتد وبين من أسلم بعد كفره ثم ارتد".

وقد استعرض ابن حزم الآراء المختلفة في مسائل كثيرة تتعلق بالردة كالاستتابة وعددها ومدتها، ثم ناقش تلك الأقوال، وخلص إلى القول بأن الظاهريّة قالوا : لا يُقبل من المرتد إلا الإسلام أو السيف، وكل ما أورد من آيات كريمة وشعر بأنّ فيه دلالة على غير ما قرره وأصحابه الظاهريّة فقد تناوله بالتأويل والتفسير الذي يُبعده عن إلزامهم بشيء. ولما بلغ قوله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ادعى أنها ليست على ظاهرها، وأنه لم يختلف أحد من الأمة كلها -حسب دعواه- في ذلك لأنّ الأمة بحسب قول ابن حزم مجمعة على إكراه المرتد عن دينه. ويبعد أبو محمد النجعة ليدّعي أنّ قوله تعالى:﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قد ذهب العلماء فيها إلى قولين لا ثالث لهما في نظره: الأول أنّها منسوخة، والثاني أنّها مخصوصة.

وزعم -عفا الله عنه- أنَّها منسوخة لأن رسول الله r لم يقبل من الوثنيّين العرب إلا الإسلام أو السيف إلى أن توفي -عليه الصلاة والسلام- فكيف يقال في نظر ابن حزم:﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ وقد وقع إكراه الوثنيّين العرب وتخييرهم بين الإسلام والسيف.

والقول الثاني أنها مخصوصة في اليهود والنصارى، وأطال في تلك الدعوى وأسهب.

ولما عرض له موضوع المنافقين زعم أبو محمد: أنّه -عليه الصلاة والسلام- لم يكن يعلم ثبوت كفر المنافقين، أو أنّ من علمَ رسول الله نفاقه قد أظهر التوبة. وقد تناقض أبو محمد هنا بشكل لم نعهده فيه من قبل، فقد قال وهو في معرض مناقشة موضوع المنافقين: إنّ مَن ظنّ أن رسول الله r لا يقتل من وجب عليه القتل من أصحابه فقد كفر، وحل دمه وماله؛ لنسبته إلى رسول الله r الباطل ومخالفة الله تعالى.
ولا نود الإطالة بسرد كل ما قاله ابن حزم ومناقشته، ذلك لأنّه -رحمه الله- قد تناقض في أكثر من موضع. وكل من يعرف ابن حزم وسعة إطلاعه يستغرب منه هذا الموقف المتصلّب في هذا الأمر، هذا الموقف الذي حمله على تأويلات لآيات كريمة وسنن كثيرة لا يمكن لابن حزم أن يقبلها لو صدرت عن غيره، ولردها على قائليها بأسلوبه الشديد المعروف. فليراجع الموضوع كله في كتابه "المحلّى" الجزء الثالث عشر ليرى القارئ الكريم بنفسه الطريقة التي عالج فيها هذا الأمر، وخلطه في كثير من القضايا التي لم نره تعامل معها بذلك الشكل إلا في هذا الموقف العجيب.

ومما عرضنا -كله- يتضح أن القرآن والسُّنة النبويّة قد أكدا حرية العقيدة وجعلا منها مسلّمة قرآنية لا يمكن أن يلحق بها شك، وكل الخلط الذي رأينا لدى العلماء في تناولهم لهذا الأمر إنما نجم عن ملابسات كثيرة، منها اتساع مدلول مفهوم (الدين) وشموله للنظام القانوني وضرورة تطبيقه على جميع المواطنين بغض النظر عن اعتقاداتهم واختلافهم فيها، ومنها أيضًا اختلاط تغيير الاعتقاد بمحاولة تغيير أركان الدين نفسها، أو ارتباط تغيير الاعتقاد بالتحول إلى حالة العداء والحرب ضد الأمّة والجماعة بحيث يصبح المرتد عدوًا محاربًا مهدِّدًا لمصالح أمته، شديد الخطر على أمنها وسلامتها.

فالإسلام قام على مبدأ أساس هو وحدة البشريّة ووحدة الإنسانيّة، وأنّ الناس-جميعًا- خُلقوا من نفس واحدة، وأن الناس جميعًا لآدم وآدم من تراب، كما سلّم القرآن الكريم باختلاف الناس في أمور كثيرة، ومنها اختلاف معتقداتهم، فقرّر أنّ من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ونهى النبيَّ -عليه الصلاة والسلام- عن أيّ تفكير بإكراه الناس، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:99]، وقال: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ [ق:45] و﴿لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:22] و﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ {91} وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [النمل:91-92] وقال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى:48].

كل ذلك يدل ويؤكد بما لا يدع مجالاً لتأويل على أنّ حريّة الاعتقاد قد صانها القرآن وحفظها، وتبعًا لموقفه كان موقف السُّنة النبويّة، ولذلك فإن القرآن ظاهر في الاقتصار على العقاب الأخرويّ في تغيّر الاعتقاد، والسُّنة مبيِّنة أن تغيّر الاعتقاد، دون التورُّط بأيّة أمور أخرى قد تحمل معنى العدوان على الأمة وكيانها وتهديد مواطنيها ومصالحها، لا عقاب عليه في هذه الحياة الدنيا، بل العقوبة عليه أخرويّة فقط؛ لأنّها لا تتعلّق في هذه الحالة إلا بحق من حقوق الله تبارك وتعالى، وهو الذي يتولى استيفاء حقه ذاك في دار الخلود. والله أعلم.

مذهب الزيديَّة
عقد صاحب "البحر الزخار" أحمد بن يحي بن المرتضى (ت 850 هـ) باباً جعل عنوانه "باب الردّة وقتال أهلها"، ثم عقد فصلاً قال فيه: "فصل وحدّه القتل" وقد سوّى في وجوب القتل بين الرجل والمرأة أخذاً بعموم "من بدّل دينه فاقتلوه" وأوجب الاستتابة قبل القتل. ونقل في وجوبها خلافاً بأنها مندوبة، لا واجبة. كما نقل أن نفي المرتد لردته، وجحدها، توبة تعصمه، وأداءه الصلاة في دار الحرب توبة كذلك تعصمه.

وظاهر من سائر التفاصيل التي أوردوها أنّهم يعدون الارتداد إعلان حرب من المرتد على أمته المسلمة، فهم -أيضاً- مثل بقيّة المذاهب في النظر إلى الردّة على أنّها مظنّة ذلك.

مذهب الإباضيَّة
لم يختلف مذهب الإباضيَّة عن المذاهب الفقهيّة الأخرى كثيراً، فقد نص صاحب "النيل وشفاء العليل" وشارحه على "قتل المرتد إن لم يتب، ذكراً كان أو أنثى"، ثم ذكر أقوال المذاهب الأخرى في الاستتابة، وفي عقوبة المرأة؛ وكأنّه بذلك ينبّه إلى أن المذهب -عندهم- إضافة إلى تسويته بين الرجل والمرأة في القتل؛ لا يرى الاستتابة، ولا يعتد بتوبة المرتد.

وقد أورد "قتل المرتد" قبل ذكر الحرابة حيث أعقبة بقوله: "ومحارب قاطع أصاب مالاً وقتل نفساً إن قدر عليه".
















الفـصـل الســابـع

نمـاذج مـن العلمـاء
الذين اتُّـهـمـوا بالـردّة































في هذا الفصل سنورد مجموعة مختارة من الوقائع أو النوازل التي تنبِّه إلى استغلال بعض الحاكمين في فترات مختلفة من تاريخنا لهذه العقوبة التي لا أصل لها، وتحويلها إلى سلاح أشهروه بوجوه معارضيهم وخصومهم، بمن فيهم بعض كبار العلماء الذين تصدّوا لبعض الطغاة فنصحوهم وأمروهم ونهوهم، فأخذت أولئك الجبابرة العزة بالإثم، وأشهروا على رقاب أولئك العلماء سيوفًا وضعها العلماء -أنفسهم- بأيدي أولئك الطغاة يقمعون بها معارضيهم، والذين يحاولون الحد من سلطاتهم المطلقة واستبدادهم.

إنّ الأمّة لم تتمكن من تفعيل ما شرع الله -تبارك وتعالى- من شورى. ولم تكتشف الآليّات والأدوات اللاّزمة لتفعيل الشورى التي ألزم الله بها نبيّه المعصوم وأمّته من بعده إلزامًا لامراء فيه، فحاول بعض العلماء الربّانيّون أن يؤدوا شيئًا يسيرًا مما كان يمكن للشورى أن تؤديه، فضاق جمهرة الحاكمين بهم ذرعًا، فاستعملوا كل ما وقع تحت أيديهم من أسلحة لإسكات تلك الأصوات -القليلة- التي كانت ترتفع لكي تقي نفسها والأمّة السقوط في جحيم الاستبداد، بمن فيهم أولئك الطغاة، فكان أولئك العلماء يقفون مواقفهم تلك: "معذرة إلى ربكم ولعلّهم يتقون"، لكن أنّى للطغاة أن يفهموا ذلك؟! وإذا فهموا فأنّى لهم أن يطيقوه؟!

لقد حاول العلماء في تاريخنا أن يجعلوا من أنفسهم قوة مشاركة لرجال السلطة، ورديفًا لهم، ففسّروا "أولي الأمر" بالعلماء والأمراء، وحرصوا على أن لا يتركوهم -وحدهم- بعد أن انتهى عصر الراشدين -الذين كانوا يجمعون بين الرؤية السياسيّة والسلطة، والقدرة الاجتهاديّة، مع الإرادة والدوافع التي تدفعهم إلى الوصول بالشورى، وبسائر الوسائل المتاحة، إلى معرفة مصالح الأنام. لكن أولئك الجهلة، الذين أفرزتهم الانقلابات القبليّّة والصراعات الأسريّة، سرعان ما عزلوا العلماء الربّانييّن عنهم، واستقطبوا الانتهازيّين والنفعيّين والشعراء والمدّاحين الذين يرون في ذلك النوع من الحاكمين مطايا لشهواتهم، وإشباع مطامعهم ورغباتهم.

وبابتعاد علماء الآخرة عن أولئك السلاطين والحكّام تكرّست فرديّة الحاكمين، وأحاطوا أنفسهم بعلماء السوء، ومدّوا لأنفسهم حبال الاستبداد، ولم يعدموا من المداحين من علماء السوء والشعراء من يزيِّن لهم ذلك، ويغريهم بالإمعان فيه. وقد بلغ الأمر غايته حين صار بعضهم يرى في قول: "اتق الله" جرأة على سلطانه، وامتهانًا لهيبة الحكم، وجرأة على "ظل الله في الأرض" بحيث وجد بعض الحاكمين في نفسه الجرأة أن يقول: "من قال لي: "اتق الله"، قطعت عنقه!!!
وهنا وجد بعض هؤلاء فيما سمّوه بحدّ الردّة صارمًا بتارًا يقطعون به الألسن، ويرهبون به خصومهم ومعارضيهم. وسنورد في هذا الفصل نماذج ممن شُهر هذا السلاح بوجوههم من علماء مصلحين، ورجال دولة معارضين، ومتكلمين ومتصوفة وفلاسفة، ورجال فرق، وما إلى ذلك.
إن هناك فتناً كثيرة قد وقعت في تاريخ الأمّة نتجت عن الفرقة والاختلاف وتناسي القرآن المجيد وسيرة رسول الله r وضعف الاعتصام بكتاب الله، وفك الارتباط والتلازم بين كتاب الله وسنة رسوله r ثم فك الارتباط بين الكتاب والسنة والفقه، ثم فك الارتباط بين العقيدة والشريعة، ثم فك الارتباط بين فقه الأئمة المتقدمين والمتأخرين، ثم اعتبار مذاهب الأئمة ونصوصهم مثل خطاب الشارع يصيبها ما يصيب خطاب الشارع في أنظارهم من تعادل وتعارض ونسخ وما إلى ذلك.
وبذلك أشبهوا أهل الكتاب الذين سبقوهم حين ضلّوا ﴿وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ ونقضوا ميثاقهم مع الله -تعالى- ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (14) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائد:13-14].
فقسوة القلوب التي جعلت بعض المسلمين يسارعون في تكفير إخوان لهم لمجرد اختلافهم معهم في بعض الأمور، وتبلغ بقلوبهم القسوة حد استباحة دمائهم، والإفتاء بقتلهم، كل تلك الظواهر الإجراميّة الفاسدة التي نشاهدها بين طوائف المسلمين ومذاهبهم وفرقهم القديمة وحركاتهم المعاصرة وتجمعاتهم وأحزابهم إنما هي ظواهر طبيعيّة تصيب من ضلّوا ﴿وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ من أولئك الذين يتجاهلون الأسباب الحقيقيّة للتأليف بين قلوبهم وفي مقدّمتها وعلى رأسها الاعتصام بحبل الله، منطلَقاً وسيرورة وغاية، فيدعهم الله لأنفسهم، ويغري بينهم العداوة والبغضاء، والفرقة والخلاف والشقاق، ولن تجتمع قلوبهم -بعد ذلك- ولن يؤلَّف بينهم بأيّة وسيلة من الوسائل إلا إذا عادوا إلى رشدهم، ورجعوا إلى الأمر الأول الذي اجتمعت عليه قلوبهم والتفّت عليه أفئدتهم، وتوحّدت به كلمتهم، وهو في الحالة العربيّة الإسلاميّة كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
لقد انفرط عقد الأمّة بعد أن هجرت الكتاب واستولت عليها الفتن. فمن فتنة قتل الخليفة الثالث؛ شهيد الدار، إلى فتنة الجمل وصفين، ونشوء الفرق والمذاهب، إلى تلك الفتن المتتابعة بين الأسر الطامحة إلى الحكم من الأمويّين وخصومهم، ثم الأمويّين والعباسيّين، ثم العباسيّين والعلويّين، إلى فتن الفرق الكلاميّة من أشاعرة ومعتزلة وأهل الرأي وأهل الحديث، والحنابلة والشافعيّة والسنة والشيعة والسلاجقة والبويهيّين والعثمانيّين والصفويّين، إلى الفتن والاضطرابات المعاصرة، وما أكثرها بين السنة والشيعة، والصوفيّة والسلفيّة، والسلفيّين وبقيّة المسلمين، والماضويِّين والعصرانيّين، إضافة إلى الصراع بين الفئات والأحزاب الإسلاميّة السياسيّة. وفي هذه الصراعات -كلّها- لم تغب أفكار الغلوّ والتكفير والاتهام بالردّة والنفاق والمروق والخروج والانحراف، وما إلى ذلك. ولم تبد إلى الآن نهاية واضحة لهذه الأحوال الشاذة، لأن الناس ما يزالون يتجاهلون الدعامة الأساس التي تقوم وحدة هذه الأمّة عليها، ألا وهي الاعتصام بحبل الله وبكتاب الله.
وحين نستعرض ظاهرة الاتّهام بالردّة والتكفير وضحاياها نجد قائمة طويلة غطت سائر العصور الإسلاميّة ولم تتوقف بعد، لأن الناس لم يرجعوا بعد إلى الاعتصام بالكتاب.
وهذه الوقائع تقدم لنا نماذج من ضحايا ظاهرة الاتّهام بالردّة نذكّر بها و نشير إلى غيرها وهي مجرد عيّنة؛ إذ لو أردنا الاستقصاء لاحتجنا إلى كتابة مجلدات في هذا الباب. فمن تلك الوقائع:
1. حين سيطر المعتزلة بقيادة المأمون الخليفة العباسي أعلنوا مقالتهم، وهي القول بخلق القرآن بحجّة أن القول بقدم القرآن وكونه صفة من صفات الله سوف يؤدي إلى القول بتعدّد القدماء الذي قد يجرّ إلى الشرك الذي وقع النصارى فيه حين أشركوا السيد المسيح بالله باعتباره كلمته. وقد بدأت عمليّات اضطهادٍ لعلماء الأمّة من غير المعتزلة استمرت ثمانية عشر عاماً شملت فترة خلافة المأمون وأخيه المعتصم ثم الواثق، ولم توقف هذه المحنة إلاّ في عهد المتوكل الذي تأسّس في عهده ما عرف بتيّار أهل السنّة والجماعة، ودارت الدائرة على المعتزلة فبدأت مرحلة اضطهادهم من أولئك الذين سبق أن أساؤوا إليهم في سنوات حكمهم ونفوذهم. لقد اضطهدوا في تلك الأعوام السابقة كل أولئك الذين لم يروا رأيهم في القرآن المجيد. وفي مقدمتهم كان الإمام الجليل أحمد بن حنبل.
ومن أبرز من أعدم في تلك المرحلة إمام آخر لم يكن أقل من الإمام أحمد مكانة وعلماً وصلابة ذلك هو الشهيد أحمد بن نصر الخزاعي وينقل المؤرخون لتلك الفترة شذرات من تلك المحاكمة التي أخضع الخزاعيّ لها في عهد الواثق.
يقول ابن الجوزي في تاريخه: "أُتي بأحمد بن نصر الخزاعي أمام الخليفة الواثق يوم السبت غرّة رمضان من عام (231هـ). قال له الخليفة: ما تقول في القرآن؟
قال الخزاعيّ: هو كلام الله!!
قال الخليفة: أمخلوق هو؟
قال: هو كلام الله!!
قال الخليفة: أفَتَرى ربك يوم القيامة؟
قال: كذا جاءت الرواية.
قال: ويحل كما يرى المخلوق هو؟
قال: هو كلام الله!!
قال: المحدود المجسوم ويحويه مكان، ويحصره الناظر؟
وأردف: أنا أكفر بربٍّ هذه صفته!!!
ثم التفت لمن حوله من شيوخ المعتزلة، فقال: ما تقولون فيه؟
فقال عبد الرحمن بن إسحاق القاضي: هو حلال الدم!! وقال جماعة الفقهاء من حوله مثل ما قال القاضي. فظهر ابن أبي داود شيخ المعتزلة -آنذاك- وكان كارهاً لقتله؛ فقال: يا أمير المؤمنين، شيخٌ لعل به عاهة أو تغيَّر عقله، يؤخَّر أمره، ويستتاب، فقال الواثق: ما أراه إلاّ مؤْذناً بالكفر قائماً بما يعتقده منه. ودعا الواثق بالصمّامة -سيف عمرو بن مَعْدِيكَرْب- وقال: لا يقيم أحد معي فإنّي أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد رباً لا نعبده، ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها. ثم أمر بالنطع فأجلسه عليه وهو مقيَّد وأمر بشدّ رأسه بحبل، وأمرهم أن يمدّوه، ومشى إليه حتى ضرب عنقه، وأمر بحمل رأسه إلى بغداد فنصب في الجانب الشرقيّ أياماً وفي الجانب الغربيّ أياماً. وعلّقت ورقة في أذنه فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاه عبد الله الإمام هارون الواثق بالله -أمير المؤمنين- إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلاّ المعاندة فعجّله الله إلى ناره".
وظل رأس أحمد بن نصر مصلوباً معلّقاً في بغداد وجسده مصلوباً معلّقاً في سامراء أياماً، ثم جمع رأسه إلى جسده ودفن!!
2. أبو حيَّان التوحيدي: علي بن محمد بن العبَّاس المتكّلم الصوفيّ، ترجم له ابن السبكي وغيره، وقد جاء في ترجمته أن الوزير المهلّبيّ طلبه (أي لقتله) فاستتر منه، ومات في الاستتار. وقد حمل الذهبيّ عليه، ووصمه بسوء العقيدة واستحقاقه للقتل. ودافع ابن السبكي عنه، وقال: "الحامل للذهبيّ على الوقيعة في التوحيديّ، مع ما يبطنه من بغض الصوفية، هذان الكلامان. ولم يثبت عندي إلى الآن من حال أبي حيّان ما يوجب الوقيعة فيه، ووقعت على كثير من كلامه، فلم أجد فيه إلاّ ما يدل على أنّه كان قويّ النفس مزدريًا بأهل عصره. ولا يوجب هذا القدر أن يُنال منه هذا النيل". وحملة الذهبيّ على أبي حيّان جزء من ظاهرة سلبيّة أخرى، إضافة إلى ما ذكره ابن السبكي، وهي أن هؤلاء الذين يوضعون تحت أنظار حاكم من هؤلاء يغلب أن تعرّض سمعتهم للمطاعن التي تجعل من مطاردتهم أو إعدامهم مطلبًا لفريق آخر من العلماء ليظهر الحاكم بمظهر البرئ -الذي ينفذ فتاوى أهل العلم، فالحاكم هو صاحب المبادرة، وليس العالم. وقد أعد أخونا د. محمد همام رسالة جامعيّة عقد فيها فصلاً في بيان استقامة عقيدة التوحيدي، وأن كل ما اتهم به لا يثبت لبحث.
3. محمد بن عبد الكريم بن أحمد: أبو الفتح -المعروف بالشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل (ت سنة 548هـ). واتهم بالميل إلى الإسماعيليّة، ونسب إلى التخبُّط في الاعتقاد، والميل إلى أهل الزيغ والإلحاد. وقد نفى ابن السبكيّ عنه كل تلك التهم التي كادت تذهب برأسه لولا كثرة العارفين لفضله، المؤكدين لسلامة اعتقاده.
4. محمد بن علي بن الحسن بن علي الميانجي: المكنى "بأبي المعالي" ابن أبي بكر من أهل خراسان، كان يلقبّ "بعين القضاة". قال فيه ابن السمعانيّ: "أحد فضلاء العصر، ومن به يضرب المثل في الذكاء والفضل .. كان فقيهاً فاضلاً، شاعرًا مفلقًا، رقيق الشعر، وكان يميل إلى الصوفيّة.. وكان الناس .. يتبركون به.. وكانت بينه وبين أبي القاسم الوزير منافسة.. فكتب عليه مَحضرًا، والتقط من أثناء تصانيفه ألفاظًا شنيعة تنبو عن الأسماع. قال ابن السبكيّ فكتب جماعة من العلماء خطوطهم بإباحة دمه.. ثم قال: نسأل الله الحفظ في إطلاق القلم بما يتعلق بالدماء من غير بحث، والمسارعة إلى الفتوى بالقتل!! فقُبض على عين القضاة أبو القاسم الوزير المذكور آنفًا، وحُمل إلى بغداد مقيّدًا. قال ابن السبكي: ورأيت رسالته التي كتبها من بغداد إلى أصحابه بهمذان -التي لو قرئت على الصخور لانصدعت من الرقة والسلاسة، فرُدَّ إلى همذان، وصلب فيها ليلة الأربعاء السابع من جمادى الآخرة سنة (525) خمس وعشرين وخمسمائة، وحين قُدّم ليصلب تلا قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء :227].
5. الكياهراسي: وهو زميل الغزالي وقرينه في الدرس، وقد درّس في مدارس عديدة، وأشيع أنّه يرى رأي الإسماعيلية. وطُلب، وكاد يُقتل لولا أن بعض الأشاعرة دافعوا عنه وقالوا بأنّ المعنيّ بتلك التهم والمقصود بها ليس الكياهراسي الأشعري بل صاحب قلعة ألَموت ابن الصباح الباطني الإسماعيلي الذي كان يلقب بـ"الكيا" أيضًا. والكياهراسي كان كثير المناظرة لعلماء الحنابلة في زمانه، وربما كان بعض خصومه وراء تلك الشائعات التي كادت تودي به.
6. أبو نصر منصور بن علي بن عراق الجعدي: كان يسكن مدينة المنصورة من مدن خوارزم، وكان غنيًا ذا مال كثير ومضيافًا، حتى إنه كان يستضيف في بعض الأحيان في الليلة الواحدة ما يقرب من ألف من الضيوف، فيكرمهم ويتعهد دوابهم، حتى إن السلطان أبا القاسم محمود حين دخل خوارزم نزل عليه ضيفًا في ضيافته، فاستضافه هو وجنوده ومراكبهم وخيولهم. ويبدو أن السلطان حين رأى القدرة المالية للرجل، وغناه عن السلطان، ومحبة الناس له، اتهمه بسوء الاعتقاد بحجة أنه لم ير في ضيعته على اتساعها مسجدًا واحدًا، علمًا بأن مدينة المنصورة هذه التي يسكنها اشتهرت بأن فيها اثني عشر ألف مسجد، في كل سكة أو زقاق مسجد. ولم يشفع للرجل استضافته لذلك السلطان ولا خدمته له، فأمر بصلبه هو ومن اتهمه بنفس التهمة سنة (408 هـ) ثمان وأربعمائة.
7. إبراهيم بن عمر بن حسن بن رباط بن علي بن أبي بكر البقاعي: برهان الدين، صاحب تفسير "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور". وقد نال منه علماء عصره لتصنيفه ذلك التفسير، وأنكروا عليه الاستشهاد بالتوراة والإنجيل، فأغروا به الحاكمين وكفّروه، ورتّبَوا دعوة عند القاضي المالكي، فأراد القاضي المالكي الحكم بكفره وإراقة دمه لولا شفاعة العلماء والقضاة له، وحكمهم بإسلامه، مما جعل القاضي المالكي يتردد في إعدامه.
8. ابن الأبّار الأندلسي: الذي قتل صبرًا في أواخر ستين وستمائة.
9. أحمد بن إبراهيم أبو جعفر الأندلسي الحافظ النحوي: ولد سنة 627 وتوفي سنة 708 هـ. وصفه معاصروه بأنّه كان ثقة قائمًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قامعًا لأهل البدع، معظَّمًا عند الخاصّة والعامة. وقد أوذي وهُجِّر من وطنه.
10. صَدَقة بن الحسين أبو الفرج ابن الحداد البغداديُّ الحنبليُّ: الناسخ الفرضيُّ. وقد اتُّهم بسوء العقيدة لميله إلى الفلسفة. وكان ممن شنّع عليه ابن الجوزي لما بينهما من اختلاف ومباينة. وقد أثنى عليه نفر آخر، منهم محدّث بغداد المحبُّ بن النجار في تاريخه، حيث قال: له مصنَّفات حسنة في أصول الدين، وقد جمع تاريخًا على السنين ذكر فيه الحوادث والوفيات.
11. ابن زرقون شيخ المالكية: أبو الحسين محمد ابن الإمام الكبير أبي عبد الله محمد سعيد بن أحمد الأنصاريُّ الإشبيليُّ، ابن زرقون. وقد برع في الفقه، وصنّف كتاب "المُعَلّى في الرد على المُحلَّى". وكان صاحب الغرب وقتها، يوسفُ بن يعقوب، ظاهريًا يُلزم الناس بأخذ الفقه من الكتاب والسنن على طريقة أهل الظاهر، وبالغ في ذلك حتى مَنع من قراءة الفروع. فلما ظفر السلطان بابن زرقون، وبعالم آخر يُقرئان الفروع، أخذهما وحبسهما وأحرق كتبهما.
12. سيف الدين علي بن أبي علي بن محمد ابن سالم التغلبي الآمدي: الحنبلي ثم الشافعي. قال عنه سبط بن الجوزي (مرآة الزمان: 8/691): لم يكن في زمانه من يجاريه في الأصلين وعلم الكلام، وكان يظهر منه رقّة قلب وسرعة دمعة. وكان أولاد العادل كلهم يكرهونه لما اشتهر عنه من علم الأوائل والمنطق. وأخرجه الأشرف من التدريس في العزيزية، ونادى في المدارس: من ذكر غير التفسير والفقه، أو تعرض لكلام الفلاسفة نفيتُه، فأقام السيف خاملاً في بيته إلى أن مات، وذلك بعد أن اتهم في القاهرة بالردة، وهرب متخفيّاً إلى الشام.
13. كُنَيزْ: كان خادمًا للمنتصر بالله ابن المتوكل، فلما مات مولاه خرج إلى مصر. وكان يُقرئ الفقه بجامع دمشق على مذهب الشافعي بعد أن أقام بمصر مدة يذبُّ عن مذهبه ويناظر المالكيّين، حتى سعوا به إلى أحمد بن طولون، وقالوا: إنّه جاسوس قدم من بغداد فحبسه، فلم يزل في الحبس سبع سنين حتى مات ابن طولون، فأُخرج من السجن ومضى إلى الإسكندرية ثم إلى الشام.
14. محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن علي بن أحمد التلمساني: القرطبي الأصل، (ت:776) واشتهر بلسان الدين بن الخطيب. وكان بارعًا في الطبّ والمنطق والحساب، وفاق أقرانه في الشعر. وقد قرّبه سلطان مراكش محمد بن أبي الحجاج حتى انفرد بتدبير أمور المملكة، مما أوغر صدور جماعة من معاصريه، الذين سعوا به عند السلطان محمد حتى أذن لهم في الدعوى عليه بمجلس الحاكم، وحُكم عليه بالزندقة، وأريق دمه، وأودع السجن. وقد وجد بعدها مخنوقًا، فلما دُفن لم يلبث غير ليلة حتى عُثر عليه محروقًا على شفير قبره. ولعل قتله ثم التمثيل به على الصفة المذكورة دليل على الأخطاء التي صار يرتكبها بعض الحكام، ويريقون بها دماء المسلمين بلا قرآن ولا برهان.
15. صدر الدين بن الوكيل وابن المرحل: (ت:716هـ). محمد بن عمر بن علي بن عبد الصمد بن عطية بن أحمد الأموي. وكان بارعًا في الذكاء والحفظ، حتى أفتى وهو ابن عشرين سنة، وكثر حاسدوه حتى رتّبوا دعوى ضده أمام القاضي في أمور رموه بها، لكن القاضي سليمان الحنبلي حكمَ بصحة إسلامه ورفعَ التعزير عنه، وأبقاه على وظائفه. ودسّ أعداؤه له عند السلطان الناصر حتى عزله من جميع جهاته التي كان يُدرِّس فيها، لكن السلطان فطن بعدها لتلك الوقيعة فعينه في وظائف كثيرة واشتهر صيته. من مصنفاته كتاب "الأشباه والنظائر".
16. أبو الجحاج جمال الدين الإمام الكبيرالحافظ المزّي: (ت:744هـ). يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك. كان متقنًا للغة والتصريف، ومتبحرًا في علوم الحديث، حتى ولي التدريس في دار الحديث الأشرفية. وقال عنه ابن تيمية "لم يلها من حين بنيت إلى الآن أحقُّ بشرط الواقف منه"، وقال الذهبي "ما رأيت أحدًا في هذا الشأن أحفظ منه". وقد ناظر الشافعية مرة مدافعًا عن ابن تيمية، فرفعوا أمره إلى القاضي الشافعي فأمر بسجنه ثم أفرج عنه، وأمر النائب أن ينادي بأن من يتكلم في العقائد يُقتل. من مصنفاته "تهذيب الكمال"، و"كتاب الأطراف".

وهذه الأسماء غيض من فيض، ولو استقرينا كتب التراجم والطبقات والوفيات والتاريخ لخرجنا بأعداد كبيرة من العلماء والصوفيّة والفقهاء الذين تعرضوا للاضطهاد والنفي والاتهام بالردّة والزندقة والانحراف عن الدين. والاسباب الحقيقيَّة وراء ذلك انحرافهم عن سلطان ما، أو تبنّيهم أقوالاً ومذاهب تخالف ما تتبنّاه الحاشية وعلماء السوء.

ولو استعصم الناس بالقرآن المجيد، ولم ينحرفوا عن آياته، ووقفوا عند حدوده، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، لم يزيدوا على ذلك ولم ينقصوا، لحفظوا الأمّة، وصانوا الملّة، وعزّوا ونصروا، وحالوا دون بلوغ الأمّة هذه المآلات المرفوضة. والله أعلم.


















خاتمة

وبعد: فهذه إشكاليّة الردّة كما رأيناها في كتاب الله وفي سنة رسوله r وكذلك في أقوال الفقهاء ومذاهبهم. وقد تبيّن لنا بعد البحث الدقيق ومعايشة هذه الإشكالية فترة طويلة من الزمن: أنّ القرآن والسُّنة، بل وفقهنا الإسلامي الأكبر، القائم على كتاب الله مصدرًا منشئًا، وسنة نبيه r مصدرًا مبيِّنًا: أنّ الإنسان المكرَّم المستخلَف المؤتمن أكبر عند الله وأعزُّ من أن يكلّفه ويسلبَ منه حريّة الاختيار، بل إن جوهر الأمانة التي حمِّلها، والتي استحق بها القيام بمهمة الاستخلاف، إنّما يقوم على حريّة الاختيار التامة الكاملة: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾، ﴿لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾، ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ وبالتالي فإنّه لا يمكن أن يقرِّر القرآن المجيد فيما يزيد عن مائتي آية من آيات الكتاب الكريم حريَّة الاختيار، ثم يُعاقِب بتلك العقوبة الصارمة من مارس تلك الحريّة -دون أن يعتدي على أحد سوى نفسه، أو يرتكب أيّة جريمة أخرى مصاحبة لتلك الضلالة البشعة التي سقط فيها.

كما تبين لنا من خلال البحث أن فقهاءنا الكرام الذين ذهبوا إلى إثبات هذه العقوبة قامت في أذهانهم تلك الملازمة القائمة على الأغلب المشاهد في عصورهم: من أنّ الردّة الدينيّة كثيرًا ما تكون ثمرة تحول شامل لدى الإنسان عن الولاء للأمة، والقبول بنظامها، واحترام شرائعها، والانتماء إليها ثقافيًا وحضاريًا، والخضوع لقوانينها ونظمها، ثم يجعل، بعد ذلك الفصام، البعدَ عن الدين والكفر به بمثابة الإعلان عن القطيعة التامة مع كل ما يقوم عليه كيان الأمة التي كان ينتمي إليها. ولذلك فإنّهم قد ذهبوا إلى إقرار ذلك الحدّ وتلك العقوبة...

أما لو أنّ الأمر أخذ على أنّه مجرد تغيُّر في الاعتقاد (كليٍّ أو جزئيٍّ)، من غير أن تصحبه جرائم أخرى، فما كان من الممكن أن يقولوا بهذه العقوبة التي ناقشنا كل ما يتعلق بها، وما استُدلّ به عليها من أدلة أو أمارات تؤدي إلى برد اليقين بأن شريعة التخفيف والرحمة، ورفع الحرج، وتكريم الإنسان، واحترام حريته وصيانتها، والمحافظة عليها واعتبارها من ضرورات التزكية، أسمى من أن تضع عقوبة دينويّة تبلغ مستوى القتل على ممارسة تلك الحريّة.

ولعلنا بما فعلنا قدمنا نموذجًا للدراسات الجادة التي تشتد حاجتنا إليها في مراجعة تراثنا بأنفسنا، لئلا يبقى هذا التراث نهبًا للجاهلين، والذين لا صبر لهم على البحث العلمي الجاد. وإذا كنّا قد فعلنا هذا في ظل أوضاع لا تخفى علينا تعقيداتها، وفي ظل هيمنة عالميّة تقوم على قيم مغايرة، من ليبراليّة وعلمانيّة وما إليهما، فإنّنا ما فعلنا ما فعلناه ليتخذ منه أولئك الذين يحاولون اجتيال المسلمين عن دينهم، واستغلال حالة الضعف والتراجع في أمتنا، ليغروا بعض المسحوقين من أبنائنا -بالفقر والجهل والمرض واستعلاء الآخرين، بإساءة الظن بدينهم وعقيدتهم وشريعتهم الغراء، بل على العكس من ذلك أردنا بما فعلنا تحصين المسلمين، وتعزيز إيمانهم بشريعتهم وعدالتها ومقاصديّة كل حكم فيها، وأنّها شريعة لا حرج فيها ولا إصر ولا أغلال، بل هي شريعة تخفيف ورحمة منفتحة على العالم -كله- تستطيع استيعاب أيّة حضارة وأية ثقافة مهما كانت، وترقيتها وتهذيبها، والتصديق عليها، وتجاوز نسبيّتها وقصورها، بعد تنقيتها وتزكيتها. فإذا شاع الوعي الحقيقيّ على مقاصد القرآن الكريم والسُّنة النبوية والقيم العليا التي جاء بها الأصلان العظيمان، فذلك سوف يشكل مناعة لدى الأمّة لا يمكن أن تتشكّل بمجرد التعصُّب، والاندفاع نحو الدفاع بدون وعي وأسلحة تمكِّن من دفاعٍ مشرِّف واعٍ هادف يفرض على الخصم وعلى المعاند احترام الانتماء إليها.نسأل الله العلي القدير أن يتقبل هذا الجهد المبارك وينفع به، ويعيننا فيما بقي لنا من أيام في هذه الحياة على مواصلة الجهود في مراجعة تراثنا الاسلاميّ الغنيّ، ورد أمّتنا إلى كتاب الله وسنة نبينا ردًا جميلاً. والله ولي التوفيق. فمن وجد فيما قدمناه خيرًا فليحمد الله، ونرجو أن لا يحرمنا دعوة صالحة، ومن وجد هفوة أو هنة أو خطأً فليستغفر الله لنا وليدع بالهداية والتوفيق والسداد والرشاد."سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين".